لم تكن اللغة مجرد وسيلة للتواصل، بل كانت وما زالت وعاء للمعنى، وجسراً بين الفكر والوجود. والعربية، بوصفها إحدى أقدم اللغات الحية وأكثرها ثراء ليست مجرد نظام من الأصوات والقواعد، بل هي ذاكرة حضارية، ومرآة لروح تشكلت عبر قرون من الفكر والشعر والفلسفة.
واللغة يجب ألا تختزل في وظيفتها النفعية، فهي ليست مجرد وسيلة لنقل المعلومات، إنما هي تشكل رؤيتنا للعالم، وهي بتراكيبها وبلاغتها واتساع دلالاتها لا تعلمنا كيف نقول الأشياء فحسب، بل كيف نفكر ونعبر عن أنفسنا وعن حياتنا فيها. إنها اللغة التي صاغت مفاهيم مثل العدل والحق والوجود والغياب والروح صياغة دقيقة جعلتها قادرة على احتضان الفلسفة كما كما الشعر، وعلى استيعاب العلم كما استوعبت الوحي.
وحين تضعف اللغة في مجتمع ما، لا يضعف اللسان وحده، بل يضعف الوعي الجمعي، وتبهت القدرة على التعبير، ويصبح الفكر مستعاراً لا أصيلاً، لأن فقدان اللغة ليس صمتاً، بل هو استبدال بمرجعيات أخرى تعيد تشكيل الهوية من الخارج أو تغييرها.
وما يميز العربية أنها لم تكن لغة مرحلة عابرة، بل لغة زمن طويل، قاومت خلاله التآكل وعبرت الأنفاق بصمود لا يمكن مضاهاته. لأنها كانت دائماً مرتبطة بالمعنى لا بالاستهلاك، وبالفكر لا بالموضة. غير أن هذا الصمود التاريخي لا يعني أنها محصنة تلقائياً في الحاضر ما دام العصر الحديث يقصي اللغات بالتهميش البطيء مثل حصارها في التعليم، واختزالها في الطقوس، وفصلها عن الحياة اليومية العلوم، فاللغة تبقى بذلك حاضرة شكلياً لكنها غائبة فعلياً.
واللغة لا تعيش بالعاطفة ولا تحفظ بالخطب وحدها، بل هي كائن حي، إن لم يجد من يتبناه ضمر ثم ذوى وانتهى. ومن هنا ندرك حاجتنا لمبادرات مستمرة عبر الأجيال لأن المبادرات المؤقتة تشبه محاولات الإسعاف بينما المستمرة فعل رعاية طويلة الأمد.
نحتاج إلى مبادرات تجعل العربية لغة تفكير لا لغة امتحان، ولغة إبداع لا لغة حفظ، ولغة حياة لا لغة واجب. نحتاج إلى تعليم يعيد للطفل دهشة الكلمة، وإلى إعلام يحترم الذائقة اللغوية، وإلى محتوى معرفي وتقني يجعل العربية قادرة على البقاء في العالم المعاصر بقوة، وبمبادرات يشعر كل جيل أنها مسؤوليته تجاه العربية كواجب وجودي، لأن اللغة التي لا تنقل بحب تنقل ببرود، ثم لا تنقل أصلاً.
وأن تكون العربية أصلاً ثابتاً لا يعني أن نقصي غيرها، بل أن تكون المرجع الذي ننطلق منه ونعود إليه، فهي الجذر الذي يسمح بالانفتاح دون الذوبان، وبالتعدد دون التفكك، والمجتمع الذي يمتلك لغة قوية يمتلك قدرة على الحوار مع العالم دون أن يفقد صوته الخاص.

[email protected]