قامت كل تجاربنا في السابق على ركيزتين، الأولى ما تعلمناه في البيت والمدرسة وفي وسطنا الاجتماعي، والثانية ما حصّلناه من خبراتنا الحياتية، وبرغم اتساع هذين الفضاءين إلا أن جزءاً كبيراً من تلك التجارب قام على مبدأ الصواب والخطأ، أي أننا كنا نتعلم من أخطائنا ونستوعب دروسها وننقل خبرتنا إلى المقربين منا، لم تكن هذه العملية على تعقيدها وامتدادها تتعلق بالأفراد فقط، ولكنها ارتبطت بتجارب الشعوب أيضاً.
داخل تلك العملية كان الخطأ في كثير من الأحيان، مفيداً، كنا من خلاله نختبر الحياة، ونعرف تقلباتها، ونكتسب ثقة ومراساً، ونطرح أسئلة لماذا قمنا بهذا التصرف؟ وكيف نتجنّبه في المستقبل؟ وما الذي استفدناه من تخطي هذه العقبة أو تلك، كان لكل منا تجربة شخصية، ولكل شعب تجارب مر بها، وتعلم منها وحدد موقعه في العالم نتيجة لذلك.
هذه العملية شهدت تراجعات على المستويات كافة، وهي على وشك الاختفاء، بدأ الإعلام بأجنحته المتعددة ذلك، برسم صور ذهنية لشعوب ادعت أنها متميزة في تجاربها، لم تعرف يوماً الخطأ، وفي المقابل رسم ذلك الإعلام نفسه صوراً ثانية لشعوب أخرى وادعى أيضاً أنها لم تعرف التحضر أبداً، وليس بإمكانها التقدم نتيجة لعوامل جوهرية تتعلق بطبيعة الشخصية القومية، صور معيارية وقياسية وخُطط لها أن تكون قدرية، بحيث لا يمكن للشعوب التي تتطلع إلى الأفضل أن تستفيد من أخطاء الآخرين أو تتعلم حتى من تجاربها الذاتية، وتوزع العالم داخل هذا الأفق على اتجاهين: من لا يخطئ، ومن ليس بإمكانه تجاوز أخطائه.
مع العولمة والتكنولوجيا فائقة الحداثة ستصيب لعنة هذا التصنيف الأفراد، ففضاء الإنترنت ومواقع التواصل، يتوزع بدوره على فئتين: من يحققون النجاح دوماً، ومن يعانون الفشل طوال حياتهم، ولا وسط بينهما، والمشكلة هنا بالنسبة للبسطاء أنهم تركوا الوسائل التقليدية التي كانوا من خلالها يتلقون خبرات الآخرين من المقربين، وفقدوا قناعة التعلم من الأخطاء الذاتية، واتجهوا لكي يأخذوا كل شيء من المؤثرين، ونحن الآن نجد أن الجمهور لا يقبل على سلعة ما لأن مؤثراً روج لها، فالأمر تجاوز ذلك، وباتت نصائح المؤثرين تعم الحياة بأكملها، نشاهد ذلك بداية من رواج أنواع معينة من الأطعمة، مروراً بنصائح طبية، أدت إلى وفيات أحياناً، وليس انتهاءً بطرائق التصرف في الحياة.
في الخبرات القديمة والتقليدية كان كل شعب يعرف عوامل قوته ومكامن ضعفه، يحاول الاستثمار في الأولى وتجنب الثانية، أما مع الصورة المعولمة، فالسمات ثابتة وأبدية. في الخبرات الفردية التقليدية كنا نعرف الفارق بين وضعنا الاجتماعي وصفاتنا الشخصية ومدى اختلافنا عن أوضاع من ينصحنا أو نتعلم منه، ونأخذ كل ذلك في الاعتبار عندما نتخذ القرار، الآن ومع مواقع التواصل نحن نريد أن نقلد فقط برغم كل ما يفصلنا من مسافة عن المؤثرين.
إن عالم التكنولوجيا فائقة الحداثة يحتاج إلى وقفة حقيقية وتقييمية علّها تتجاوز كل ما يعيشه الإنسان المعاصر من تعاسة.
خبراتنا بين عالمين
19 ديسمبر 2025 00:42 صباحًا
|
آخر تحديث:
19 ديسمبر 00:42 2025
شارك