البعض من الناس، لديهم إيمان، أو اعتقاد، أو ظن، غير دقيق، بأنه كلما زادت الخيارات المتاحة أمامهم، زادت مساحة سعادتهم وحريتهم، وبالتالي، تكون حياتهم جميلة.
يبدو الأمر بديهياً، فالشخص الذي يختار من بين عشرين نوعاً من السيارات، أو ثلاثين وجهة للسفر، أو مئات الأفلام للسهرة، على سبيل المثال، يفترض أن يكون أسعد ممن لا يملك إلا خياراً واحداً أو اثنين، لكن الواقع النفسي الذي نعيشه يروي قصة أخرى مختلفة. نحن نقف اليوم أمام أرفف المتاجر، أو قوائم الطعام، أو منصات المشاهدة، ونشعر بنوع غريب من الشلل. كثرة الخيارات لم تمنحنا الحرية، بل حمّلتنا عبء «الخوف من الاختيار الخاطئ». مع كل خيار ننتقيه، يطاردنا شبح الخيارات الأخرى التي تركناها: «ماذا لو كان الفيلم الآخر أجمل؟»، «ماذا لو كانت الوظيفة الأخرى أريح؟».
هذه الحالة النفسية المعقدة أثبتتها دراسة شهيرة يطلق عليها «تجربة المربى»، أجرتها البروفيسورة شينا إينغار، من جامعة كولومبيا، والبروفيسور مارك ليبر. في أحد المتاجر الراقية نصب الباحثون طاولة تذوق، وفي المرة الأولى عرضوا 24 نوعاً مختلفاً من المربى، وفي المرة الثانية عرضوا 6 أنواع فقط. النتيجة كانت صادمة لكل نظريات الاقتصاد التقليدية. الطاولة التي تحتوي على 24 نوعاً جذبت عدداً أكبر من المتفرجين، لكن نسبة الذين اشتروا بالفعل لم تتجاوز 3 %. أما الطاولة التي احتوت على 6 أنواع فقط، فقد اشترى منها 30 % من الناس. وذكر الباحثون التالي في تلخيصهم لهذه النتائج العجيبة: «على الرغم من أن توفير خيارات واسعة قد لا يزال ينظر إليه أحياناً على أنه أمر مرغوب فيه مبدئياً، إلا أنه قد يثبت أيضاً أنه مثبط للهمة بشكل غير متوقع في النهاية».
نحن نغرق في التفاصيل ونستنزف طاقتنا الذهنية في المفاضلة بين أمور ثانوية، لننتهي إما بالعجز عن الاختيار (التأجيل)، أو بالاختيار مع شعور دائم بالشك والندم. سواء نظرنا للأمر من ناحية تجارية واقتصادية وتسويقية، أو حتى من ناحية شخصية، ربما حان الوقت لنتعلم فن «الرضا بالمتاح»، وأن ندرك أن السعادة لا تكمن في البحث عن «الخيار الأفضل على الإطلاق»، الذي قد لا يكون موجوداً أصلاً، بل في اختيار ما هو جيد وكاف ونحتاج إليه ثم الالتزام به.
تقليص خياراتنا طواعية ليس حرماناً، بل هو وسيلة لحماية سلامنا العقلي من ضجيج العبارة الدائمة «ماذا لو؟».