يبدو أننا أمام اتساع لموجة تحول الشعراء إلى كتابة الرواية، ولا نعلم هل أصبح السرد المعبر الجديد عن الذات والخيال، بعد أن ضاقت القصيدة بأحلام أصحابها، فالأمر هنا لا يبدو أنه يتعلق بتجريب مشروع فني جديد، بقدر ما أصبح ظاهرة ثقافية لها أسبابها الظاهرة والخفية، بفعل تأثيرات تقلبات السوق الأدبي وتراجع الضوء المسلط على الشعر.
ليس غريباً أن يجرّب الشاعر كتابة الرواية، فالإبداع حق مفتوح للجميع، لكن المثير في المشهد هو القفز المباشر فوق القصيدة، خصوصاً بعض الشعراء الذين بالكاد أصدروا ديوانهم الأول، وكأن القصيدة مجرد مرحلة إثبات القدرة على البناء الجمالي للمعنى، لتأتي مرحلة القفز لكتابة الرواية، حتى إن بعضهم يقول صراحة بأنه اتجه لكتابة الرواية لأن الرواية تقرأ ولها سوقها الرائج، وهي وسيلة تضمن له ظهوراً إعلامياً أو حضوراً جماهيرياً، فيلجأ إلى الرواية لتكون ممراً سريعاً نحو الشهرة.
نعم الواقع يقول إن الرواية اليوم تعيش ما يشبه «لحظة الهيمنة»، وبذلك لا أحد يقاوم مغرياتها العديدة، فهي الشكل الأدبي الأكثر قدرة على تسليط الضوء على الكاتب بين القراء والمنصات الإعلامية ودور النشر، ناهيك عن جمهور الرواية الواسع، وصناعتها المربحة بالنسبة لدور النشر، أضف إلى ذلك مساحتها التعبيرية التي تمنح الكاتب حرية حركة لا تتوفر دائماً في القصيدة، لكن هذا لا يعني أن الرواية هي الشكل الأدبي الذي يناسب كل قلم، ولا أن الطريق إليها يجب أن يكون مفروشاً بالتجاوزات السهلة.
المسألة هنا لا تتعلق بالتأييد أو التحفظ، لكنها بقصد تسمية الأشياء بأسمائها، فالرواية ليست سلماً للظهور الإعلامي، ولا «بطاقة دعوة» إلى المهرجانات، وإذا استمر استخدامها بهذه الطريقة، فسنشهد بعد سنوات قليلة ساحة أدبية متخمة بالروايات الخفيفة التي لا تحمل من الرواية إلا الغلاف، وهو أمر يربك الذائقة ويشوّش على المبدعين الحقيقيين.
لنتفق أن التحول من الشعر إلى الرواية ليس خطأ، فالكتابة في حد ذاتها بحث دائم عن أفق جديد للتعبير، لكن الخطأ أن يحدث ذلك بلا وعي أو إدراك لطبيعة الفن السردي بما يحمله من قوانين وبنية جمالية في اللغة والأسلوب.
نحن في عصر تزدهر فيه القصص والروايات والمحتوى البصري، غير أن الشعر لا يزال يحتفظ بقدرته على التأثير، إذا وجد الشاعر الذي يبدع بالشكل والمعنى، فالرواية فن مختلف له جماله، لكنها لن تكون يوماً بديلاً عن القصيدة ولا عن موسيقاها.
يبقى الشعر جوهر الإبداع الإنساني الأول، النبع الذي يمنح اللغة روحها، ويكشف مكنون الإنسان في لحظاته الأصفى، ومهما أغرت الرواية الشعراء ببريقها واتساع آفاقها، يبقى الشعر القبلة الأولى للإبداع الجمالي.
القفز فوق القصيدة
20 ديسمبر 2025 00:04 صباحًا
|
آخر تحديث:
20 ديسمبر 00:04 2025
شارك