د. أيمن سمير
ليست مصادفه أن يعود «الكيزان» إلى صدارة المشهد في حكومة بورتسودان رغم إزاحتهم من الحكم في إبريل 2019، فخلال 76 سنة، ومنذ تأسيس «الخلية الأولى» للإخوان سنة 1949 التي ضمت بابكر كرار، ومرغني النصري، وصادق عبدالله عبدالماجد، منذ ذلك الحين عمل الإخوان على التغلغل في مفاصل الدولة السودانية، والاستفادة من أزمات النظام السياسي القائم، والتكيف مع التفاعلات السياسية المختلفة التي مرت بها السودان منذ الاستقلال عن مصر وبريطانيا في الأول من يناير سنة 1956، وذلك عبر تشكيل الأحزاب السياسية مثل ما يسمى «الحزب الاشتراكي الإسلامي»، بل والتحالف مع قوى سياسية أخرى بهدف التمكين والتغلغل في النسيج السياسي والاجتماعي للبلاد
أول التحالفات التي قام بها «الكيزان» كان التحالف الشهير مع الرئيس جعفر نميري، ودفع الإخوان الرئيسَ نميري لإصدار «قوانين سبتمبر» التي كانت المسمار الأخير في نعش التماسك الوطني، لأنها لم تكن مقبولة من غالبية الشعب السوداني.عندما شعر الإخوان بالتمكين، وقدرتهم على إقصاء الآخرين، والانفراد بالحكم أعلنوا بوضوح كامل عمّا يسمى ب«المشروع الحضاري» وهو نفس المسمى الذي كان معتمداً لدى إخوان مصر وتونس، وأثبتت الأيام أن هذه المشروع ظل مرفوضاً من غالبية الشعب السوداني الذي يتميز بالتنوع الديني والإثني والسياسي، حيث إن في السودان نحو 500 قبيلة، ونحو 570 مجموعة عرقية تتحدث لغات ولهجات كثيرة، ورغم أن 70% منهم يتحدثون ويفهمون اللغة العربية، فإن هناك نحو 300 لغة ولهجة أخرى، وهناك قبائل عملاقة غير عربية في السودان مثل الزغاوة والمساليت والفور في دارفور، وقبائل النوبة في جبال النوبة، والبجا في الشرق والشمال الشرقي، ناهيك عن قبائل النيل الأزرق. ومشكلةُ ما يسمى «المشروع الحضاري» الذي أعلن حسن الترابي تطبيقه منذ يوليو سنة 1989 أنه يتعارض تماماً مع هذه التنوع، لأنه يقوم على استراتيجيةٍ هدفها «أخونة» المجتمع السوداني، و«اختطاف هويته الأصلية»، اعتماداً على سلسلة من الوسائل الأمنية، والاقتصادية، والاجتماعية والتعليمية والإعلامية، والتي أخذت عناوين كثيرة بدأت بحزب «المؤتمر الوطني»، وبعد ذلك كان حزب «المؤتمر الشعبي»، وذلك حتى يتم تطبيق «الأيدلوجية الإخوانية» بالقوة على الجميع، الأمر الذي قاد في النهاية إلى تهميش وإقصاء كل المجموعات السكانية التي تشكل نحو 45% من السكان في الجنوب، ودارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق

وقادت محاولات فرض «المشروع الحضاري» بالقوة إلى انفصال الجنوب عام 2011، وحرب طويلة في دارفور قتلت نحو 300 ألف شخص، وهو ما دفع المحكمة الجنائية الدولية لإدانة علي كوشيب، وهو من أكبر القادة الذين اعتمد عليهم الكيزان لقمع وقتل سكان دارفور بداية من عامي 2002 و2003، فما الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي أسهمت في بقاء الكيزان هذه العقود الثلاثة؟ وماذا عن «الحرس الثوري» السوداني، والأولجارشية السودانية، والجماعات المغلقة؟ وكيف استخدم الإخوان تكتيك «التفكيك» لتحقيق «التمكين والأخونة»؟ وكيف تسبب ما يسمى «المشروع الحضاري» في انفصال الجنوب، ونشوب الحروب في مختلف الجهات؟ وكيف أعادت الدولة العميقة، والشبكات المالية العملاقة، والعلاقات الخارجية مع الدول ذات الأنظمة الثورية والقريبة من الإخوان في عودة الكيزان من جديد للمشهد السوداني بعد انقلاب 25 أكتوبر2021؟
أولاً: الحرس الثوري
قبل السيطرة الكاملة على الحكم سنة 1989 كان للكيزان تواصل وعلاقة مع الدول التي تقوم على أنظمة ثيوقراطية ولديها «حرس ثوري»، وخلال هذه الفترة التي امتدت 10 سنوات من 1979 إلى 1989 تمكن الإخوان من تجهيز أنفسهم لتأسيس «حرس ثوري» يحمي نظام الحكم الخاص بهم، ويمنع أي قوة أخرى مهما كانت سطوتها من التفكير في السيطرة على الحكم، وهو نهج قائم لدى كل جماعات الإخوان في كل دول العالم، فعندما وصلوا للحكم في مصر قالوا إنهم جاؤوا ليحكموا 500 سنة، لهذا كان لدى إخوان السودان «أذرع عسكرية» حتى قبل وصولهم للحكم تحت عنوان «المعسكرات الصيفية»، حيث كان الشباب يدرَّبون على العنف وترهيب المعارضين، ولعبت هذه العناصر المدربة على القوة في حماية مظاهرات وأنشطة الكيزان قبل عام 1989، وبدأ هذا الأمر في سبعينيات القرن الماضي واستمر إلى نهاية حكم جعفر نميري، وسمح تحالف الإخوان مع الصادق المهدي في رئاسته الثانية للحكومة السودانية في الفترة من 1985 إلى 1989، بالتوسع في تدريب شبابهم على العنف والقتال واستخدام السلاح الذي جرى تهريبه من الحدود، وأحياناً من العناصر الكيزانيه في الجيش، فقد أثبت الكثير من الحقائق التي جرى الكشف عنها بعد ذلك أن شخصيات في الجيش مثل البرهان كانت تعمل لصالح الإخوان في الجيش منذ سنوات طويلة، حينما كان ضابطاً صغيراً، ولهذا نجح انقلاب 1989 في السيطرة على السلطة لأكثر من 30 سنة، وفور الإعلان عن نجاح الانقلاب بدأ الإخوان مباشرة في تأسيس «الحرس الثوري» الإخواني حتى لا يقع «انقلاب مضاد»، ولهذا عملوا على تأسيس ما يسمى بقوات «الدفاع الشعبي»،

وبعد نشوب الحرب الحالية في 15 إبريل 2023 أطلقوا على نفس المجموعات «قوات المقاومة الشعبية»، والتي تقاتل في مختلف الجبهات ضد قوات الدعم السريع، وكانت قوات «الدفاع الشعبي» هي مصدر الثقة في حماية النظام رغم فصل كل العناصر «غير الإخوانية» في الجيش، وراهن الإخوان على «قوات الدفاع الشعبي» ليس للحفاظ على الدولة، بل للحفاظ على النظام الإخواني، وإطالة بقائه في الحكم ضد أي محاولة انقلاب من الجيش أو أي ثورة شعبية، لذلك صبغوا كل تحرك، وكل قتل أو تهميش وإقصاء مارسته قوات «الدفاع الشعبي» بالصبغة الأيدلوجية الكيزانية حتى لا يكون هناك مجال لإدانة سلوك قوات «الدفاع الشعبي» في قتل المدنيين أو التسبب في انفصال الجنوب، حيث رفعت قوات «الدفاع الشعبي» شعارات أيدلوجية مثل تلك التي ترفعها التنظيمات الإرهابية «الإسلاموية» في إفريقيا وآسيا الوسطى والقوقاز والشرق الأوسط، وكان الهدف الوحيد هو حماية النظام السياسي الإخواني من السقوط، حيث كان الهدف العلني لقوات «الدفاع الشعبي» هو تأهيل وتدريب المواطنين عسكرياً للدفاع عن السودان، لكن حقيقة الأمر كان الهدف هو تشكيل قوة عسكرية «موازية» للجيش السوداني تكون بمثابة «حرس ثوري» و«قوة احتياطية» لحماية نظام الحكم الإخواني عبر أدوات عدة، منها التعبئة السياسية والأيدلوجية حيث كان الشباب السوداني يعبؤون في معسكرات «الدفاع الشعبي»، من خلال وصف الصراع مع الجنوب ودارفور وجبال النوبة وكردفان بأنه «صراع ديني» رغم أنه كان صراعاً بين «مشروع الإخوان» الإقصائي، وباقي مكونات الدولة السودانية، فمن يراجع بدايات الصراع في الجنوب والغرب والشرق يتأكد أنها كانت بسبب التهميش في التنمية، ولو تم معالجة هذه القضايا دون عنف، ودون رفع السقف الأيدلوجي ربما لم ينفصل السودان بعد أن كشف الكثير من الوثائق السودانية أن «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة جون جارانق لم يكن هدفها الانفصال في البداية، بل كان الهدف هو معالجة قضايا التهميش، وتحسين حياة سكان الجنوب، لكن وصول الترابي والإخوان للحكم عام 1989، ورفع الشعارات الأيدلوجية لهذا الصراع هو ما قاد إلى الانفصال. وإلى أن تم توقيع «بروتوكولات نيفاشا» عام 2005، كانت كل الآمال أن يتوقف الإخوان عن الشعارات الإخوانية والأيدلوجية للحفاظ على وحدة السودان، لكن الإصرار على نفس السردية الإخوانية الإقصائية عبر الإصرار على تطبيق القوانين العنصرية على سكان الجنوب هو ما دفعهم للتصويت لصالح الانفصال في استفتاء نوفمبر 2011.

ثانياً:«الأولجارشية الكيزانية»
هناك شهوتان تتملكان الإخوان في جميع الدول التي وصلوا فيها للحكم، «الشهوة الأولى» هي السلطة، فطريق الإخوان للسلطة ذات «اتجاه واحد»، فعندما يصلون للسلطة لا يتركونها على الإطلاق، لأنهم لا يعترفون ب«تداول السلطة»، والشهوة الثانية هي «شهوة المال»، ولهذا منذ اليوم الأول لوصول «الكيزان» للحكم في السودان عملوا على وضع كل الاقتصاد السوداني في «جيوبهم الخاصة» وجيوب التنظيم، وهو ما يفسر السؤال الذي يطرحه الجميع، كيف لدولة غنية جداً بكل هذه الموارد أن يكون شعبها فقيراً بهذه الصورة؟ الإجابة هي أنه منذ عام 1989 جرى توجيه كل الموارد والاقتصاد السوداني إلى جيوب الإخوان والتنظيم الكيزاني عبر مجموعة من الأدوات هي:
1 -خصخصة بطعم الإخوان
تبنى الإخوان منذ وصولوهم للحكم نظاماً اقتصادياً يدفع نحو «خصخصة الاقتصاد»، وكان الطبيعي أن تقود مثل هذه الخطوة إلى تحسين الاقتصاد السوداني، وجذب الاستثمارات، ومنح القطاع الخاص فرصاً غير مسبوقة، لكن كان هناك «خداع كيزاني» كما هو معتاد، حيث تمت خصخصة الشركات والاقتصاد السوداني بهدف نقل أصول وموارد البلاد من بنوك وشركات تعدين واتصالات وخدمات مالية إلى «الشركات الإخوانية» فقط، ومن ثم تحولت موارد البلاد بالكامل إلى «جيوب التنظيم» ورجاله من قادة وكوادر «الحركة الإسلاموية» فقط دون أي عوائد حقيقية على اقتصاد البلاد.
2 - شركات الجيش
تحت عنوان دعم المجهود الحربي للجيش في الجنوب والغرب والشرق قام الإخوان بمنح الجيش مئات الشركات التي تدر مليارات الدولارات، لكن حقيقة الأمر كانت عائدات هذه الشركات العملاقة لا يستفيد منها الجهد الحربي ولا الجيش، بل كانت هذه الشركات التابعة لجيش الإخوان هي «الباب الخلفي» لتحويل الأموال من «المالية العامة» للدولة إلى «المالية الخاصة» لتنظيم الإخوان، وكانت هذه الشركات تحقق عوائد عملاقة، لأن شركات الجيش كانت معفاة من الضرائب، وكانت عملياً خارج نطاق «مؤسسات الدولة المدنية»، ولهذا كانت أرباحها قياسية مقارنة بأي شركة أخرى تتبع نفس النشاط المدني في البلاد.
3 - تطهير البيروقراطية
كان الإخوان يعرفون قبل انقلاب عام 1989 بقوة «الجهاز البيروقراطي» السوداني، ولتحقيق أهدافهم في السيطرة على البلاد كان لديهم خطة جاهزة لاستبدال كل العناصر البيروقراطية غير الموالية لهم بموظفين جدد موالين بالكامل للتنظيم الكيزاني، وكل ذلك ضمن في النهاية ليس فقط ولاء الجهاز البيروقراطي للإخوان، بل خلق «أولجارشية إخوانية» من خلال توجيه الموارد الاقتصادية لهذه الشخصيات التي تقود التنظيم اقتصادياً، وفي الوقت الحالي تلعب هذه «الأولجارشية» دوراً كبيراً في استعادة الحكم وتمويل أنشطة الإخوان في الحكومة، وكتائب الإخوان «البراء - البنيان المرصوص» على الجبهة.
4 -القيادات الوسطى والصغيرة
بعد سقوط حكم الإخوان في إبريل 2023 ظلت القيادات الوسطى والصغيرة الإخوانية في مؤسسات الجيش والحكومة دون تغيير، واستخدم الإخوان هذه الشخصيات في «تأجيج الصراعات والخلافات»، وإضعاف الدولة في الفترة من إبريل 2019 حتى انقلاب البرهان في 25 أكتوبر 2021، وتعمق هذا الدور بعد اندلاع الحرب مع الدعم السريع في 15 إبريل 2023، وهذا ما دفع وزارة المالية الأمريكية لفرض عقوبات مالية على وزير مالية البرهان جبريل إبراهيم، والمصباح أبو زيد طلحة قائد كتيبة البراء.

ثالثاً: الدولة المخطوفة
السيطرة على الاقتصاد وتوجيه الموارد الاقتصادية إلى شركات الإخوان، مع بقاء القيادات الوسطى والصغير في الجهاز الإداري والوظيفي للدولة جعل السودان منذ عام 1989 بمثابة «الدولة المخطوفة» من جانب التنظيم الدولي للإخوان، فمن خلال هذه الشبكات السرية يعود الكيزان من جديد للسيطرة ليس فقط على القرار العسكري لجيش البرهان، بل على القرار الاقتصادي والسياسي أيضاً، فزعيم إخوان السودان «علي كرتي» هو الذي رفض «المبادرة الرباعية» قبل أن يعلن البرهان رسمياً رفضها.
رابعاً: حصان طروادة
سردية الأحداث منذ سقوط حكم الإخوان تؤكد أنهم لعبوا الدور الأكبر في تخريب كل الجهود التي قادتها دول الجوار والرباعية الدولية والأمم المتحدة من أجل بناء «دولة مدنية» في السودان، وتحقق ذلك للإخوان عبر بقاء الأجهزة السياسية والاقتصادية والعسكرية التي عملوا عليها حتى قبل وصولهم للحكم، كل ذلك يدفعهم للعمل على تحويل «جيش البرهان في الوقت الحالي» إلى «حصان طروادة» بهدف إطالة زمن الحرب، حتى يعود ويتمكن التنظيم من كل شيء مرة أخرى، ووقتها يكون قد حقق الهدف الاستراتيجي وهو العودة للحكم.
خامساً: ترزي القوانين
من أجل تحقيق السيطرة الكاملة على مفاصل الدولة احتاج الإخوان إلى قوانين خاصة تبرر خطواتهم السياسية والاقتصادية والعسكرية، ولهذا كانت سيطرتهم على الجهاز القضائي بمثابة خطوة ضرورية لضمان إصدار تشريعات تتفق مع التفسير الأيدلوجي للإخوان، لهذا عانى الشعب السوداني من القوانين التي قيدت السلوك الاجتماعي للمرأة والأقليات، كما قيدت الحريات العامة والشخصية.
المؤكد أن بقاء الإخوان 30 سنة في الحكم لم يكن صدفه، وتشبثهم الحالي بالعودة للحكم ينطلق من أدوات أخرى ثقافية وإعلامية وتعليمية، بجانب السيطرة العسكرية والمالية والسياسية، وهو ما يتطلب جهداً خاصاً ونوعياً من الشعب السوداني، للتخلص من مآسي وأزمات الكيزان التي ألحقوها بالشعب السوداني قبل 1989 وبعدها.
