د. موزة الدرمكي*
لم تكن بيوت الأجداد القديمة مجرد جدران من طين أو حجارة، بل كانت أركاناً نابضة بالقيم الأصيلة، ومدارس مفتوحة تتربّى فيها النفوس قبل العقول. ففي بيت الأجداد نشأ الطفل داخل أسرة ممتدة تضم الأجداد والآباء والأعمام والعمّات والأخوال، في نسيج اجتماعي واحد يتقاسم المسؤولية التربوية، حيث يتعلّم الأبناء السلوك الصحيح، وتترسخ القيم في الأنفس عبر المعايشة اليومية لا عبر التوجيه المباشر والإرشاد.
لم يكن بيت الأجداد مسكناً فحسب، بل فضاء تربوياً واجتماعياً حياً. فيه تعلّم الأبناء آداب المجالس، وفنون الحوار، وأصول الضيافة، واحترام الضيف، وضبط اللسان، وحفظ السر. ومن خلال المجالس اليومية، استمع النشء إلى قصص الكبار عن الصبر والكفاح والاعتماد على النفس والتعاون، فاستقرت القيم في الذاكرة والنفس معاً.
وأدى الأجداد دوراً محورياً في نقل الموروث الثقافي، عبر الأمثال الشعبية والحكم والحكايات والشعر، فتعزّزت اللغة والهوية الوطنية لدى الأبناء، وارتبطت الأجيال بتاريخها وتراثها. كما كان البيت القديم مساحة لتعلّم القيم العملية: كالعمل الجماعي، مساعدة الآخرين، الالتزام الديني، التكافل، والقناعة. وكان الصبر درساً يومياً يعيشه الأبناء، فالرغبات لا تُلبّى فوراً، فلم تكن الحياة سهلة، لكنها كانت تُعلّم الإنسان الانتظار والرضا الذي يهذّب النفس، ويكبح جماح الرغبات.
إن التربية في الأسرة الممتدة قامت على المشاركة والاحتواء ووجود القدوة، لا على الأوامر والتسلط، فترسخت القيم في النفوس والممارسة اليومية حتى أصبحت جزءاً من هوية الإنسان لا سلوكاً مؤقتاً.
واليوم، لا نفتقد بيت الأجداد لأن الزمن قد تغيّر، بل لأننا ابتعدنا عن جوهره التربوي والإنساني، يوم كان أعضاء الأسرة لُحمة واحدة وكل عضو في الأسرة يربي. فالبيت القديم لم يكن جدراناً تأوي، بل منظومة قيم تُعاش وتُورّث، لصنع الإنسان وتمكينه من مواجهة متطلبات الزمن من دون أن يفقد ذاته وهويته.
*جامعة كلباء