عبدالله السويجي
تجتهد عائلات تنتمي إلى مختلف الأقطار العربية، باستثناء دول مجلس التعاون، للوصول إلى أوروبا، ويسلكون مسارات صعبة ووعرة في البر، ومنهم من يخاطر بنفسه وأفراد أسرته فيركب البحر في قوارب صغيرة وضيّقة، وقرأنا عن أحداث مؤلمة وقصص أكثر إيلاماً عن عائلات بأكملها غرقت في البحر، أو عائلات غرقت ونجت طفلة أو فرد من الأسرة، إما الأب وإما الأم. في المحصّلة يعانون الأمرّين للوصول بسلام إلى الدول الأوروبية، وفور وصولهم يواجهون تحديات كثيرة تبدأ باللغة ولا تنتهي في الدين.
ومع مرور الوقت تكتشف العائلات أنها في مكان لا يشبه الأحلام، فيتذمرون من المعاملة أو تقنين الغذاء أو العنصرية، وعندما تلوح بشائر الاستقرار في الأفق، تواجه العائلات تحديات أكثر أهمية وقد تكون مصيرية أحياناً، بحيث تضع رب الأسرة أمام خيارين، إما الانسجام والذوبان في المجتمع الجديد، وإما المغادرة والعودة إلى البلد العربي الذي قدم منه، وحتى في هذه الحالة الأخيرة يكتشف أنه بلا أوراق ثبوتية، لأن العائلات أو الأفراد يمزقون وثائقهم الشخصية أو يتلفونها حتى يضعوا الدولة المضيفة أمام الأمر الواقع، ويكون البقاء هو الحل.
أول أمر تصطدم به العائلة العربية المسلمة هو الدين، تجد نفسها في بيئة تدين بدين جديد، وكل دين يحمل ثقافته وطقوسه وقيمه، فيصطدم بعقلية جديدة ومختلفة عن عقليته، ولباس يختلف عن لباسه، وإذا كان لدى ولي الأمر أطفال في سن التعليم، تبدأ عندها معاناة مع منع الحجاب وغيرها، وإذا تسامح مع الحجاب وسمح لابنته الذهاب إلى المدرسة من دون حجاب، فإن الفتاة ستتعرض لسلوكيات غريبة عنها، خاصة إذا كانت في مرحلة المراهقة، وستكتشف أن المحظورات في المنزل مباحة في المدرسة، وأن التلاميذ من كلا الجنسين يحضرون دروساً في التثقيف الجنسي، فتُصدم في البداية ثم تتقبّل الأمر، أما الصدمة الكبيرة فهي لولي الأمر الذي يجد نفسه أمام سلوكيات (غريبة وعجيبة)، كأن تدعو الفتاة زميلها في الدراسة لزيارتهم، وتجلس معه في غرفة مغلقة. وهنا فإن ولي الأمر أمام حلّين، إما أن يغضّ الظرف ويقنع نفسه بأنها عادات البلاد، وإما يرفض سلوك ابنته رفضاً قاطعاً، فتحتج ابنته وتشكوه للسلطات، لأنه يقمع حريتها، وهنا، عليه أن يخضع لدروس تأهيل للاندماج مع المجتمع.
وفي مرحلة ما، تطفو على السطح مسألة الهوية، فيسأل المهاجر نفسه: من أنا؟ وهذه تقوده للبحث في قضايا أكثر تعقيداً، فيجد نفسه أمام تحديات في العقيدة، والعادات والتقاليد، واللباس واللغة وأسلوب الحياة اليومية. والبعض يقع في براثن مجموعات متطرفة تدله على هويته الدينية أولاً، وشيئاً فشيئاً يصبح متطرفاً، ويجد لزاماً عليه محاربة (الكفرة) والجهاد في سبيل الله، حتى تقبض عليه السلطات، فتهجّره وأسرته إلى بلده من جديد.
إن أبرز تحديات المهاجر تتلخص في العقلية المختلفة التي يحملها، ولو مارسها سيصطدم مع الآخر، ابن البلاد، وأهمها منظومة القيم التي يحملها والمملوءة بالحلال والحرام والعيب. ومدى التأقلم يعتمد على الاستعداد للذوبان في المجتمع الجديد، أي، يأكل ما يأكلون ويلبس ما يلبسون، ويشرب ما يشربون، ويمارس ما يمارسون، أي لديه الاستعداد للتنازل عن هويته، وقد ينجح لبعض الوقت، لكنه، بينه وبين نفسه، يعاني ويكظم الغيظ، لا سيّما في القضايا الوطنية والمساواة والحرية الشخصية. أما بالنسبة لتربية الأولاد، فعلى أولياء الأمور أن يدركوا أن لكل إنسان مهما صغر أو كبر، حقوقاً وواجبات، وتتمتع الطفولة بحماية شديدة ورعاية عالية، ومن المؤكد، أن معاملة الطفل يجب أن تختلف عن المعاملة العربية، أي لا شتائم ولا ضرب ولا حبس وهكذا.
إن اللغة هي من أبرز التحديات للعائلات المهاجرة، سيما مع عدم توفّر مدارس تعلّم اللغة العربية أحياناً، والنتيجة، وجود لسانين في الأسرة الواحدة، وتنقسم إلى جيلين، جيل الآباء وجيل الأبناء، فتنشأ الفجوة المعرفية والثقافية والسلوكية. وهناك تحدّ آخر يتعلق بالانتماء، حيث غالباً ما تعيش الأجيال صراعاً بين هويتين، قد يؤدي إلى الشعور بالاغتراب وفقدان الانتماء. وتتعرض العائلات في بعض المجتمعات الأوروبية للتمييز العنصري رغم محاربة التمييز قانوناً، إلا أن بعض فئات الشعب لا يزال يؤمن بالنقاء العرقي والعنصري.
هل الامتيازات التي يحصل عليها المهاجر تستحق منه كل هذه التضحيات، ومعايشة التحدّيات، وأثرها النفسي والصحي في الأسرة؟ من الطبيعي أن تتنوّع الإجابات، فهناك من يكرر المثل القائل: (إيش جابك للمر؟ اللي أمر منّه)، وهذه الفئة هاربة من المشاكل والحروب والأزمات التي تضرب البلاد.
إن الدول التي تعيش صراعات سياسية وعسكرية أو تعاني الفساد أو الظلم وغياب الفرص الوظيفية والتعليمية، تعرّض شبابها للهجرة، والشباب هم عماد التنمية والتطوّر، لذلك عليها وضع برامج استعادة الشباب من المهجر عندما يستتب الأمن.