عبد الإله بلقزيز

تبدو صورة العلاقات الدّوليّة، على صعيدها الظّاهريّ السّطحيّ، صورةَ نظامٍ مفتوح من التّفاعلات الإيجابيّة بين دُوَل يحْكُم علاقاتها قانون وأعرافٌ مَرعيّة، وتَحْفِزها رغبةٌ في صوْن تلك العلاقات ممّا قد يكدِّر صفوها من فاجئاتٍ غيرِ مرغوبة قد تأخُذها إلى الانتكاس أو التّأزُّم. ولأنّ أوّل قاعدةٍ في بروتوكول العلاقات بين الدّول والأمم، في عالمنا الحديث، هي قاعدة التّسليم بسيادات الدّول وبوجوب احترامها بصرامة - على ما قرّرت ذلك أحكام ويستفاليا - كان على ذلك التّفاعُل بينها أن يَلْحظ مبدأ السّيادة ذاك ويَنتظمَ تحت سقفه، أو حتّى أن يوحيَ بذلك إنْ هو جانَب احترامَه، إذِ السّيادةُ في السّياسة الدّوليّة هي الخطّ الأحمر الذي يمتنع على الجميع انتهاكُه، وإنْ حَصَلَ وانتُهِكت (وقد حدث ذلك كثيراً)، يصبح من وَلاية تلك السّياسة الدّوليّة رفْعُ ذلك الانتهاك وتثبيتُ السّيادة (وقلّما وقع ذلك، وهو لا يقع إلاّ على وجْهٍ من الانتقائيّة مفضوح).
أمّا شدّةُ الإلحاح على مبدأ السّيادة في القانون الدّوليّ، كما في خطاب أيّ دولة، فمردُّهُ إلى أنّ السّيادة وحدها، من دون سواها، هي ما تكون به دولةٌ مّا دولةً على الحقيقة وما تستدرّ به اعترافَ العالم بها، بل وحدها ما يفتح سبيلاً إلى نظامٍ دوليّ وعلاقات بيْنيّة فيه.
قلنا إنّ هذه الصّورة هي ما يبدو على سطح العلاقات الدّوليّة وما يبشِّر به وينشُرُه في العالم خطابُها، لكنّ الحقيقة غيرَ ذلك تماماً: أو إلى حدٍّ بعيد. إنّها صورةٌ بَهْراء تأخذ الأبصار، لكنّ الزّينةَ التي تسكُن ملامحَها تُخفي خلفها قبحاً يكاد أن يغشى المساحاتِ الأعظمَ من تلك العلاقات، الأمر الذي يَحْمل الفكرَ على أن يُسائل هذه المزعمة الطّاعنة في الخداع التي تحمل اسم السّيادة، وعلى أن يسائلها - تحديداً - في ما إذا كانت حقيقةً كونيّةً، على نحو ما يدّعيه خطابها، أو في ما إذا كانت من المُتاحات الامتيازيّة لقسمٍ صغيرٍ من الدّول التي تحظى برأسمال «الأهليّة» من دون سواها من السّواد الأعظم من الدّول! نكتفي، هنا، بالإشارة إلى بعديْن في السّيادة هما أظهر سماتها، حيث لا قيام لها من دونهما (الاستقلال، الشّمول)، مسلِّطين ضوءاً على أزمتهما في شطرٍ كبير من دُول العالم التي يُزعَم أنّها تتمتّع بالسّيادة الوطنيّة، مستنتجين من ذلك ما يفيد في بيان شأن «كونيّة» هذه السّيادة المنحولة إلى العالم.
من اقتضاءات أيِّ حكمٍ على واقع السّيادة، في عالم اليوم، وعلى من تَمتّع بها ومَن حَرُمَتْ عليه وحِيلَ دونه والتّمتُّعِ بها أن نُخْضع مفهومَها للتّعريف، من أجل أن نضع في ميزان المضاهاة ما هو حاضرٌ في حالاتٍ منها، وما هو غائب في حالاتٍ أُخَر.
ما من سيادةٍ تتمتّع بها دولةٌ إلاّ متى كانت هذه مستقلّةً استقلالاً تامّاً، إِذِ التّلازُم الماهويّ بين السّيادة والاستقلال لكينونة الدّولة مثلُ التّلازُم بين الأوكسيجين والهيدروجين لتكوُّن الماء. وما أَعْسَرَ على المرء أن يقطع، في المعرِض هذا، بوجودٍ ناجزٍ لحال الاستقلال في دول العالم كافّة، حيث قسمٌ منها محتلٌّ، أو بعضُ أراضيه محتلّ، وقسمٌ أكبر منها لا يملك قراره الوطنيّ المستقلّ: الشّرطُ الأوّل اللاّزب لأيّ استقلال. هكذا نصطدم بأمّ الحقائق: لا يكون بلدٌ مّا سيّداً على نفسه إن لم يكن مستقلاًّ أو إن هو كان تابعاً لغيره خاضعاً لإرادة ذلك الغير. هذه واحدة، الثّانيّة أنّ السّيادة، بالتّعريف، تكون شاملة أو لا تكون، إذ ليس هناك من سيادةٍ منقوصة تندرج تحت تعريف السّيادة أو حالةٍ من حالات السّيادة. لا سيادةَ لدولةٍ لا تملك بسط سيطرتها وسلطانها على كلّ أراضيها ومياهها وأجوائها وثرْواتها ومقدَّرات شعبها، إنْ كان لها أن تفعل ذلك على أجزاء أو أبعاض، فليس ذلك من صميم هيئة السّيادة لأنّ هذه كلٌّ لا يتبعّض.
أمّا ثالثة الأثافي في دحض أُزعومة «كونيّة السّيادة» فهذه الموجات العاصفة المتلاحقة من العولمة التي طوّحت بالحدود وزحفت إلى القيعان والدّواخل، فما عاد يسيراً، على مَن تصاغرت قُواهُ، أن يزعُم لنفسه في عهد هذه العولمة سيادةً على نفسه وداخلِه.

[email protected]