متابعات: «الخليج»
بعيداً عن ساحات المعارك وخطوط المواجهة الأمامية، تجري حرب اغتيالات شديدة التعقيد، بين روسيا وأوكرانيا، تمتد من شوارع كييف وموسكو، وحتى مناطق خارج البلدين، كان أحدث عملياتها مقتل جنرال روسي كبير جراء انفجار سيارة في جنوب العاصمة الروسية، وسط ترجيحات المحققين بتورط أجهزة الاستخبارات الأوكرانية في الهجوم.
وبتتبع خريطة الاغتيالات الروسية الأوكرانية، يتكشف بُعد خفي إلى حد كبير من الحرب، ألا وهو حملة اغتيالات تتصاعد باطراد، وظهرت أبرز خيوطها عندما تم اعتقال رجل بريطاني في أوكرانيا للاشتباه في مساعدته روسيا في تنفيذ اغتيالات سياسية.
وكان روس ديفيد كاتمور، الذي وصل إلى أوكرانيا في عام 2024، متهم باستيراد وتوزيع الأسلحة المستخدمة في قتل ثلاثة أوكرانيين بارزين، هم ديميان هانول، وهو ناشط، وإيرينا فاريون وأندري باروبي، وهما سياسيان، وفق «تليغراف».
وبحسب مراقبين، فإن استخدام كاتمور، يعكس تكتيكاً أوسع نطاقاً، يتم فيه اللجوء إلى عدم نشر عملاء محترفين، لكن الاعتماد على السكان المحليين أو الشبكات الإجرامية لملاحقة الشخصيات السياسية والعسكرية في كلا البلدين.
ورصدت منظمة Acled، وهي منظمة عالمية لمراقبة النزاعات، تسع محاولات اغتيال روسية ناجحة أو فاشلة في أوكرانيا منذ عام 2023 وحتى أغسطس/ آب الماضي. وتراوحت الأهداف بين شخصيات قومية وضباط مخابرات في الخدمة، وغالباً ما تم اختيار الأهداف لتعزيز رواية محاربة التطرف.
كما قامت أوكرانيا بالمثل، حيث نفذت عدة هجمات داخل روسيا، بما في ذلك الاغتيال المشتبه فيه الساعات الماضية للجنرال سارفاروف باستخدام سيارة مفخخة في موسكو. وكان سارفاروف، وهو مسؤول تدريب القوات المسلحة الروسية، في طريقه إلى العمل عندما وقع الانفجار في منطقة ياسينيفو.
لكن اللافت أن أوكرانيا نفذت عمليات أكثر في هذه الحرب الخفية، حيث تجاوزت وتيرة حملة الاغتيالات الأوكرانية ونطاقها نظيرتها الروسية بفارق ملحوظ، خصوصاً منذ أواخر عام 2024، الذي شكل نقطة تحول حاسمة.
«قنبلة السكوتر»
في الشهور الثمانية الأولى من عام 2025، تجاوز عدد محاولات الاغتيال التي قامت بها أوكرانيا داخل روسيا الإجمالي السنوي لأعوام 2022 و2023 و2024، حيث تحول تركيز كييف إلى استهداف الأصوات الإعلامية للقوات الروسية، وكذلك مهندسي ومشغلي آلة الحرب.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك مقتل الفريق إيغور كيريلوف في 17 ديسمبر 2024. وقد قُتل الضابط، الذي كان مسؤولاً عن الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية الروسية، بواسطة عبوة ناسفة تم تفجيرها عن بعد كانت مخبأة داخل دراجة كهربائية «سكوتر».
كما تم اغتيال ميخائيل شاتسكي، وهو مهندس يعمل في مجال إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة. وفي إبريل 2025، أسفر تفجير سيارة مفخخة عن مقتل شخصيتين بارزتين مرتبطتين بالحرب الإلكترونية والتخطيط العملياتي، أحدهما الجنرال ياروسلاف موسكاليك، وهو شخصية محورية في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية.
سيارة مفخخة في موسكو
كانت هذه العمليات التي تشبه إلى حد كبير هجوم السيارة المفخخة الأخير في موسكو، دقيقة ومتطورة بشكل متزايد. وقد جرى خلال العديد منها استخدام متفجرات و«قنابل بريدية» تم تجميعها عن طريق شخص ما غير مدرك أنه تم تجنيده عبر الإنترنت.
واستيقظ الروس الساعات الماضية على وقع انفجار قنبلة أسفل سيارة كان يقودها اللفتنانت جنرال فانيل سارفاروف، رئيس مديرية التدريب العملياتي التابعة لهيئة الأركان العامة الروسية، أثناء خروجه من موقف سيارات، حيث توفي متأثراً بجراحه، فيما حدث موقع ميروتفوريتس، وهو موقع أوكراني غير رسمي، بيانات بسارفاروف ليقول: إن الرجل البالغ من العمر 56 عاماً «تمت تصفيته».

«التفجيرات الانتحارية»
كما وثّقت منظمة أكليد أيضاً عمليات تفجير انتحارية داخل روسيا، من بينها اغتيال أرمين سركيسيان، مؤسس كتيبة أربات، وزاور غورتسيف، الذي أشرف على القصف المدمر لمدينة ماريوبول، وفي هذه العملية ربما لم يكن الرجل الذي قام بتفجير العبوة الناسفة على علمٍ بوجودها.
وحتى في المناطق التي تسيطر عليها روسيا منذ أكثر من عقد، نفذت أوكرانيا عدة عمليات، وكان اغتيال ألكسندر زاخارتشينكو، المحارب المعروف في دونيتسك، عام 2018، مثالاً مبكراً على قدرة كييف على العمل في المناطق الخاضعة للسيطرة الروسية.
ومنذ عام 2022، شهدت لوهانسك خمس عمليات اغتيال على الأقل استهدفت شخصيات بارزة، من بينها اغتيال إيغور كورنيت، وزير الداخلية الذي عينته روسيا. وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، اغتال عملاء أوكرانيون أيضاً مدير سجن أولينيفكا في دونيتسك، حيث لقي عشرات الأسرى الأوكرانيين حتفهم في تفجير عام 2022.
من غير المرجح أن تؤدي عمليات الاغتيال إلى وقف المجهود الحربي الروسي، لكنه يُلقي بعبء نفسي على الحالة المعنوية للجيش، حيث يمتد التهديد إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة. فكل شخصية مرتبطة بالحرب، من المدافعين الإعلاميين إلى مهندسين وضباط عسكريين، تجد نفسها تعيش تحت تهديد دائم.
رد روسيا
حاولت روسيا الرد بالمثل. وتشير منظمة أكليد إلى تسع محاولات اغتيال روسية على الأقل بين عامي 2023 وأغسطس 2025، على الرغم من أن العديد منها نُفذ بشكل غير احترافي واعتمد على وكلاء محليين.
وفي يوليو/تموز 2025، اغتيل العقيد إيفان فورونيتش، من جهاز الأمن الأوكراني، رمياً بالرصاص في وضح النهار في كييف، وتبنت جماعة يمينية متطرفة يُشتبه في ارتباطها بروسيا عملية الاغتيال. وفي مايو/أيار، أصيب سيرغي ستيرنينكو بجروح على يد امرأة جندها عملاء روس. وفي مارس/آذار، قُتل ديميان هانول رمياً بالرصاص في أوديسا. ويرتبط هؤلاء الضحايا، إلى جانب فاريون وباروبي، بمواقفهم القومية أو المعادية لروسيا.
ويقول نيكيتا غوركوف، كبير محللي أوروبا وآسيا الوسطى في شركة أكليد: «إن مبارزة الاغتيالات.. تحدث بالتوازي مع انهيار قواعد الاشتباك في الحرب التقليدية، ويتجلى ذلك في الاستهداف العشوائي للمدنيين وإساءة معاملة أسرى الحرب أو إعدامهم». ويحذر من أنه «إذا لم تكن هذه الممارسة مقيدة بحدود ساحة المعركة، فقد تصبح دوامة عنف مستدامة ذاتياً».
عملية مدريد على طريقة الموساد
وقال غوركوف: إن التكتيكات باتت تشبه بشكل متزايد تلك التي يستخدمها جهاز الموساد الإسرائيلي، الذي تشمل أساليبه استخدام الأجهزة المتفجرة المموهة والاستهداف عبر الحدود.
وفي مايو/أيار، أشارت عملية اغتيال أندريه بورتنوف، السياسي الأوكراني السابق، في مدريد إلى مدى اتساع رقعة الخطوط الأمامية السرية لهذا الصراع. وقبل ذلك بعام، قُتل مكسيم كوزمينوف، الطيار الروسي الذي انشق إلى أوكرانيا، في أليكانتي.
ويحذر مراقبون من أنه حتى وإن انتهت الحرب، فقد لا تتوقف عمليات القتل. فخلال السنوات الطويلة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية عام 2014، استمرت الاغتيالات من كلا الجانبين. ومع تدفق الأسلحة وبقاء العديد من القضايا عالقة، قد تستمر عمليات القتل لفترة طويلة بعد أي تسوية سلمية تتفاوض عليها الولايات المتحدة.