وليد عثمان

الصحافة، في أحد أوجهها، حرب من نوع خاص تستهدف، على بساطة أدواتها، تعرية الفساد والخروج على القانون والاستهتار بالقيم والمبادئ وفضح أعداء الإنسانية وردّ الحقوق إلى أصحابها، أو على الأقل الدعوة إلى ذلك.
لا سلاح للصحفي إلا الكلمة أو الكاميرا، وحين يقف خلفهما ضمير حيّ يصبح تأثيرهما أشد من أي استهداف يبتغي قتل الحقيقة، أو تشويهها، كما تفعل القوى المتصارعة في ميادين الحروب، وفي مقدمتها إسرائيل التي تصوّب على عيون الصحافة دوماً، لكنها أمعنت في ذلك خلال الحرب على غزة.
كارثية ما فعلته إسرائيل بالصحفيين في القطاع هي جزء من حرب إبادة سكانه والعبث المتواصل بجغرافيته، والهدف دوماً هو الحقيقة. يستوي في التعاطف مع ما جرى في غزة أن يكون المستهدف بالتصفية صحفياً، عربياً أو أجنبياً، أو فلسطينياً ألقت به الحسابات الخاطئة في قلب النار. ولا مجال أبداً لمقارنة الترصد لفئة مهنية بعينها بما طال الغزيين، لكن الوقوف عند استهداف الصحفيين غايته أن دورهم فاضح وكاشف للممارسات الإسرائيلية، عدداً وكيفاً، وهو في كثير من الأحوال عنوان للحقيقة يوثقها ويثبّتها أمام العالم والمنظمات المعنية وفي الضمائر قبل أن يتلاعب بها أحد.
لا يوجد غزّيون: مسالمون أو مسعفون أو أطباء، وغيرهم من كل الفئات، إلا وطالتهم آلة الحرب الإسرائيلية بغير جريرة، لكنها تبصر دائماً وسط غبار الحرب أي محاولة لتوثيق عدوانها. لذلك، أصبحت إسرائيل أول أعداء الصحفيين، بل هي أسوأهم، في العالم، إما بتصفيتهم، أو بمنعهم المتكرر من دخول القطاع.
على عهدة منظمة «مراسلون بلا حدود»، قُتل خلال العام الحالي، حتى بدايات هذا الشهر، 67 صحفياً حول العالم، دم نصفهم في رقبة إسرائيل لترتفع حصيلة من قتلتهم إلى أكثر من 220 صحفياً منذ بدء حربها على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023. ويزداد عدد من قتلتهم إسرائيل في غزة خلال هذا العام إلى 60 صحفياً في حصيلة نشرها مركز حماية الصحفيين الفلسطينيين، بخلاف من اعتقلتهم.
وأياً تكن النتيجة العددية، فإنها، كما هو الحال في محصلة كل ضحايا غزة، تبقى أقل من الحقيقة، لكنها تبرز إصرار إسرائيل على التفرد بالرواية، وهو أمر لا تحقق فيه نجاحاً كاملاً، فأقل مشهد أفلت من قبضتها ونقلته الشاشات والصحف حول العالم يكفي لتبيان حجم المأساة في القطاع.
ورغم اتفاق وقف الحرب وتضاؤل تبعاتها مقارنة بما كان قبل ذلك، تصر الحكومة الإسرائيلية على كتم أنين غزة عن العالم. تصر حكومة بنيامين نتنياهو على منع دخول وسائل الإعلام الأجنبية إلى غزة، ما دفع رابطة الصحفيين الأجانب إلى الالتماس من المحكمة الإسرائيلية العليا التدخل، لكن طلبها إيضاحاً حكومياً عشر مرات قوبل بالمماطلة. وحتى إذا ردت الحكومة قبل 4 يناير (كانون الثاني) المقبل، وهو آخر موعد حددته المحكمة، فإن لا شيء يضمن أن تحمي إسرائيل الحقيقة.

[email protected]