يكتب المفكر هاشم صالح في رحيل صديقه الروائي والشاعر السعودي أحمد أبو دهمان صاحب رواية «الحزام» أوّل رواية من الجزيرة العربية تكتب بالفرنسية ونقلها مؤلفها بنفسه إلى العربية، فيما تُرجمت إلى ثماني لغات عالمية بعد صدورها في العام 2000 عن دار غاليمار في باريس، أشهر مؤسسة نشر في فرنسا وفي أوروبا. والرواية سيرة ذاتية للمكان والإنسان، تغطي حياة الكاتب في طفولته وفي شبابه وفي منطقة عسير وأبها في السعودية.
يتوقف هاشم صالح في مقالته الحارّة عن أحمد أبو دهمان عند مشهد في الرواية يقول إنه قتله قتلاً، ودمّره تدميراً (بالحرف) ويصعب عليك، كما يقول صالح، أن تمر عليه مرور الكرام دون أن ترتجف، والمشهد «أن كل النساء العائدات وأكوام الحطب على رؤوسهن يمضغن بعض الخبز لتخفيف العناء والتعب والجوع ما عدا أمّه (أم المؤلف) التي كانت تعضّ على الحبل بنواجذها موهمة بأنها تأكل شيئاً مثلهن»، ويقول صالح إن هذا المشهد في الرواية أحياه وأنعشه في الوقت نفسه؛ لأنه أعاده إلى طفولته السحيقة. (جريدة الشرق الأوسط 22/12/2025).
هذه الصورة الروائية التي تقتل وتدمّر فعلاً بالمعنى المجازي بالطبع، وليس بالمعنى الواقعي- يبدو أنها صورة عامّة جماعية لكل أمّهاتنا العربيات اللائي كن يحملن الحطب على رؤوسهن في قرى الجزيرة العربية وبلاد الشام وغيرها من أرياف الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، ويقول صالح في مقالته الأليفة الحنونة إن أمه كانت تفعل ذلك، وأضيف هنا، أن أمي أيضاً كانت تحمل الحطب على رأسها، وبالطبع أحسبها أيضاً كانت تمضغ الخبز لكي لا تعطش في تلك البرية الجبلية غربيّ مدينة مأدبا تحت جبل نيبو، حيث كان يكثر الحطب، والجوع، والعطش.
أمّهات ذلك الزمان البرّي الفقير كن حطّابات، وحاصدات للقمح والشعير والذرة، وكانت الواحدة منهن وإذ هي شابة آنذاك في العشرين من عمرها تحمل قربة الماء على رأسها، وتسرح مع قطيع الماعز، وتهيئ علف الماشية والخيل، وتطهو خبز «الشراك» على الصاج أمام دخان النار وجمر الحطب.
لم أقرأ رواية «الحزام» لأحمد أبو دهمان، ولكني شاهدت كل هذه الصور الأمومية في طفولتي، والآن، كم أرى أن أمي، رحمها الله ورحم كل الأمّهات الغائبات، تشبه أم أحمد، وأم هاشم، والفرق فقط في الأمكنة، أمّا الحطب، فهو حطب جميع أولئك النسوة الشابات، اللائي كن يطفئن جوعهن وعطشهن بمضغ الخبز، وأظنه لم يكن سوى كسرات يابسات.
ذات يوم، قبل أكثر من خمسين عاماً، فرَغتْ علبةُ الشاي في بيت ذلك الحجّار وزوجته الحطّابة الشابة، ولأن الشاي مع الخبز هو فقط طعام العائلة، راحت الزوجة الشابّة إلى الشاي المتبقي في الإبريق، وفرَدته على منديل تحت الشمس، ليجف ويصبح شاياً مرةً أخرى، تغليه على الحطب، وتتحايل به على الجوع.
رحمك الله يا آمنة، يا ابنة هاشم.
حطب وخبز وشاي
23 ديسمبر 2025 00:06 صباحًا
|
آخر تحديث:
23 ديسمبر 00:06 2025
شارك