أليست الحضارة الإسلاميّة حضارة ملياري مسلم؟ هل المثقفون المسلمون، والعرب منهم بالذات، على يقين من أن هذا التصنيف لا ينطبق على ثقافات المسلمين، آداباً وفنوناً، مثلما لا ينطبق على لغات الشعوب الإسلامية؟ الألسنة لها انتماء قومي، فهي إندونيسيّة، ماليزيّة، أوردية، فارسية، تركية، عربية.. لكن الأمر في شأن الثقافات ليس بهذه السهولة، يحتاج الإنصاف إلى تصنيف أصناف.
مثلاً: أشعار المتصوفين الإيرانيين، من قامات سنائي، فريد الدين العطار، جلال الدين الرومي، نظامي غنجوي، أوحدي كرماني، سعدي وحافظ، إنما هي أشعار متجذرة في الحضارة الإسلامية، ومضامينها مستمدّة منها. إلاّ أن هذا الإطار الفكري الثقافي والإبداعي، لا ينطبق بحال على الشعر الإيراني الحديث، ابتداءً من المؤسس نيما يوشيج، اسمه الحقيقي علي إسفندياري. الصورة ذاتها، نراها في الشعر العربي منذ نازك الملائكة وبدر شاكر السياب. شعر عربي غير إسلامي في بيئة إسلامية. قل إن شئت، مثل إطار من عصر الباروك، للوحة سوريالية أو تكعيبيّة.
على المثقفين العرب أن يضعوا تحت المجهر تاريخ الأدب الإسلامي؟ نحن نعرف ما هو تاريخ الأدب العربي. لكننا عندما نتأمّل تاريخ الأدب الإسلامي، نقع في الملتبسات. أرجوك لا تقل إن السموم الاستعمارية شديدة المفعول، لأنها حرفت عقولنا عن النقد القويم. في أيّ مرتبة من الوعي الثقافي، تضع من ينظر إلى الأعمال الكاملة للعلاّمة محمد إقبال، من زاوية باكستانية ضيّقة؟ إبداعه فلسفة وعرفان إسلاميان، فلماذا نقزّمه ونضع العُقاب في قفص سنتيمتر مكعّب؟
الصوفي فريد الدين العطار، أبدع ملحمة «منطق الطير»، انطلاقاً جوهرياً من الآية الكريمة: «يَأَيُّهَا الْإنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ» (الانشقاق 6). تخيّل هجرة الطيور في رحلة إيمانية إلى لقاء الذات العليا. بعضها أنهكه السفر، فتساقط ريشه أو مرض فتخلى، إلى أن بقي من كل الأسراب ثلاثون طائراً، (30 طائراً: سي مرغ بالفارسية)، عند وصال اللقاء، رأت الطيور نفسها في المرآة وقد صارت (سيمرغ: العنقاء). هل في هذا نفس قومي؟ ماذا عن روائع الأدب في طاجيكستان وأوزبكستان وأفغانستان والهند وإندونيسيا؟ لماذا ننتف ريش أجنحة أدبنا وتاريخ أدبنا وآفاق فضاءات الإبداعات التي هي جوهر حضارة أدبنا وأدب حضارتنا؟.
لزوم ما يلزم: النتيجة اللغوية: إعادة النظر يجب أن نفهمها كما لو كانت إعادة البصر، بعد فقدانه.
في التجزيئية الثقافية الحضارية
23 ديسمبر 2025 01:38 صباحًا
|
آخر تحديث:
23 ديسمبر 16:45 2025
شارك