أحدث تفويض وكالة «الأونروا» لولاية جديدة بأغلبية ساحقة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، مؤخراً، صدمة في واشنطن وتل أبيب اللتين لم تدخرا جهداً في العمل على شطب هذه الوكالة الأممية من سجلات الأمم المتحدة.
لكن الضمير العالمي كان متيقظاً لحملات التضليل والتحريض والتشهير التي لم تكتف بالسعي لقطع التمويل عن «الأونروا»، خصوصاً من قبل واشنطن التي كانت الممول الأكبر لها، بل وصلت إلى حد اتهامها بالارهاب، استناداً إلى حملة دعائية إسرائيلية مكثفة تزعم مشاركة بعض موظفي الوكالة في هجوم السابع من أكتوبر. وهي اتهامات دحضتها تحقيقات الأمم المتحدة، ورفضتها كل الدول ذات الضمائر الحية، التي كانت تدرك أهمية الدور الذي تلعبه «الأونروا» في خدمة اللاجئين الفلسطينيين، في غزة والضفة الغربية وعموم المنطقة.
وتراجعت معظم الدول التي وقعت ضحية حملة التحريض الإسرائيلية عن قطع التمويل بعد أن سقطت الرواية الإسرائيلية، وبعد أن استيقنت هذه الدول حجم التضحيات التي قدمتها «الأونروا» جراء الاستهداف الإسرائيلي المتعمد لمقراتها ومؤسساتها من مدارس ومراكز صحية، وقتل المئات من موظفيها، وارتكاب سلسلة من المجازر الوحشية بحق النازحين الذين لجأوا إلى مؤسساتها بعد أن تحولت إلى مراكز إيواء.
وحقيقة الأمر أن حملة التضليل والتحريض الإسرائيلية لم تبدأ فقط منذ هجوم السابع من أكتوبر، وإنما منذ أن تأسست هذه الوكالة في عام 1948، بالتزامن مع إنشاء إسرائيل، للإشراف على رعاية وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، حتى يتم إيجاد تسوية سياسية لقضيتهم، بما في ذلك «حق العودة» إلى ديارهم التي هجّروا منها. وبالتالي أصبحت «الأونروا» هي الشاهد الحي الوحيد على النكبة الفلسطينية، وتحولت إلى كابوس يقض مضاجع الإسرائيليين، ويدفعهم للتخلص منها بأي ثمن.
من هنا يمكن تفسير الحملة الإسرائيلية الشرسة التي لم تكتف بقصف مقراتها ومؤسساتها في غزة، وإنما منعتها من إدخال المساعدات إلى منكوبي القطاع، وحاولت إيجاد البدائل لها في عملية توزيع المساعدات، لكنها لم تنجح، ومع ذلك لا تزال تمنع نحو 6 آلاف شاحنة مساعدات على الجانب المصري من معبر رفح، اشترتها «الأونروا» وتكفي سكان القطاع لمدة ثلاثة أشهر، من دون الاكتراث للكارثة الإنسانية التي يعيشها السكان هناك. وفي دلالة واضحة على حجم الاستهداف، ما حدث ويحدث في الضفة الغربية، حيث تم تدمير ثلاثة مخيمات في شمال الضفة، هي مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، وتم تهجير سكان هذه المخيمات لارتباطها الوثيق بالنكبة و«الأونروا» بالذات في محاولة لطمس الذاكرة الفلسطينية. وهي محاولة أولية قابلة للتعميم على كل المخيمات في الضفة الغربية، ناهيك عن اقتحام مقر «الأونروا» الرئيسي في القدس المحتلة ومصادرته ورفع العلم الإسرائيلي عليه. لكن يحسب للأونروا، في نهاية المطاف، رفضها الانكسار أو الاستسلام للمزاعم الإسرائيلية، وتصميمها على المضي قدماً في مساعدة الفلسطينيين وتعزيز صمودهم.

[email protected]