يعتقد البعض من الناس أن قمة الرفاهية هي أن ترفع عن كاهلنا المسؤولية، ولكن هل سألنا أنفسنا: هل الراحة المطلقة نعمة فعلاً، أم أنها حكم بالموت البطيء على أهم دافع للحيوية في حياتنا؟ أعتقد أن النفس البشرية لا تتغذى على الراحة، بل تتغذى على الشعور باستلام زمام السيطرة على الحياة والشعور بالجدوى. حين نسلب حقنا في اتخاذ القرارات البسيطة، حتى لو كان ذلك بدافع الحب والرعاية من الآخرين، فإننا تذبل ببطء. أقوى دليل علمي على هذه الحقيقة جاء في دراسة شهيرة ومؤثرة جداً أجرتها عالمتا النفس إلين لانجر، وجوديث رودين، عام 1976 في دار لرعاية المسنين. أرادت الباحثتان معرفة أثر حرية الاختيار في صحة كبار السن. قامتا بتقسيم نزلاء الدار إلى مجموعتين. المجموعة الأولى (مجموعة المسؤولية)، قيل لهم أنتم هنا مسؤولون عن حياتكم. إليكم هذه النبتة، عليكم أنتم ريها والعناية بها. وسنعرض فيلماً سينمائياً، وعليكم أنتم اختيار الليلة التي تودون مشاهدته فيها. المجموعة الثانية مجموعة الرعاية الكاملة، قيل لهم بلهجة حنونة: نحن هنا لخدمتكم وراحتكم. إليكم هذه النبتة، ستقوم الممرضات بريها والعناية بها بدلاً منكم. وسنعرض فيلماً سينمائياً، وقد حددنا لكم يومي الخميس والجمعة لمشاهدته.

كانت النيات مع المجموعة الثانية طيبة جداً وهي توفير الراحة، لكن النتائج كانت صادمة. بعد ثلاثة أسابيع فقط، وجد الباحثون أن المجموعة الأولى التي تحملت مسؤولية النبتة واختارت الفيلم أصبحت أكثر سعادة، ونشاطاً، ويقظة ذهنية. بينما المجموعة الثانية التي تلقت الرعاية الكاملة أصبحت أكثر خمولاً وتدهورت صحة الكثير منهم! إن ملخص هذه الدراسة يشير إلى نتيجة تصف هذا الفرق بوضوح: «أظهرت تقييمات الاستبانة والمقاييس السلوكية تحسناً ملحوظاً للمجموعة التجريبية موازنة بمجموعة الموازنة في اليقظة، والمشاركة النشطة، والشعور العام بالرفاهية».

الدرس هنا بليغ جداً لنا في تعاملنا مع أنفسنا، ومع من نحب، سواء كانوا أطفالنا أو كبار السن. الحب ليس أن تفعل كل شيء بدلاً منهم، بل أن تترك لهم مساحة ليفعلوا شيئاً لأنفسهم، أن تترك لطفلك حرية ربط حذائه وإن تأخر، وأن تسمح لوالدك الكبير بسقي زرعه وإن تعب. تلك النبتة الصغيرة كانت دليلاً ملموساً يقول للإنسان بأنه موجود. نحن لا نموت من التعب، بل نموت حين نشعر بأننا لم نعد مؤثرين، وأن حياتنا مسيّرة بالكامل.

[email protected]