د. منصور جاسم الشامسي
زيارة البابا ليو الرابع عشر، إلى تركيا ولبنان، في الفترة الممتدة بين 27 نوفمبر و2 ديسمبر 2025، لها خصوصيتها الدينية المسيحية، وحملت رسائل سياسية إيجابية إلى العالم العربي والإسلامي معاً، وسط «متاعب» داخلية وخارجية يواجهانها، واضطرابات تشهدها العلاقات الدولية، وحروب جارية، (مُعظمها وأخطرها في الشرق الأوسط)، وصفها البابا ليو بأنها «حرب عالمية ثالثة تُخاض بالتجزئة»، ذات العبارة قالها سلفه، البابا فرنسيس، داعياً للعدالة الاجتماعية وإصلاح النظم الإدارية الحكومية، باعتبارهما أساس التنمية والسلام.
البابا ليو، (70 عاماً) أمريكي، بيروفي لاتيني الأصل، حاصل على البكالوريوس في الرياضيات والفلسفة من جامعة فيلانوفا الأمريكية(بنسلفانيا)، والماجستير في «اللاهوت»، والدكتوراه في القانون الكَنسي، يتحدث عدة لغات، وشغل مناصب وقام بأعمال دينية وقضائية وأكاديمية وبحثية واقتصادية وثقافية واجتماعية في البيرو، وحَمل جنسيتها، وعُرف ناقداً للجيش والفساد السياسي فيها، ومُدافعاً عن حقوق الإنسان ومُعارضاً للعنف السياسي ومظاهر عدم المساواة. وسافر للمناطق النائية والوعرة في البيرو، على ظهور الخيل للتبشير ومقابلة السكان «المَنسيين»، ودراسة أحوالهم ميدانياً، وحث الرئيس دونالد ترامب على عدم استخدام القوة العسكرية تجاه فنزويلا.
في تركيا، اجتمع البابا بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في القصر الرئاسي، وألقى كلمة عن «السلام والاستقرار وقضايا اللاجئين»، وقال: «إن مستقبل الإنسانية على المحكّ»، محذراً من أن العالم يجب ألا يستسلم تجاه مشكلة «ارتفاع مستوى الصراع على الصعيد العالمي»، داعياً الرئيس التركي إلى أن يكون مصدراً للاستقرار وتعزيز الحوار. وزار المسجد الأزرق، وضريح مصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة العلمانية.
التاريخ والسياسة والدين متواشجة عند البابا ليو الذي شارك في مدينة إزنيق التركية، في الاحتفال بذكرى مرور 1700 عام على انْعِقَاد مؤتمر «مجمع نيقية الأول» في 325 ميلادي الذي ترأسه قسطنطين الكبير، الشخصية الفارقة في التاريخ، الذي أصدر «قانون التسامح الديني»، وأنهى اضطهاد المسيحيين، واعتنق «المسيحية وعقيدة التوحيد» فكان أول إمبراطور روماني مسيحي مَهّد لاعتماد المسيحية ديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية، في 391 ميلادي، وحُظرت الوثنية وعقائد تعدد الآلهة وتأليه الأباطرة وعبادة الملوك وحكام السلالات وطقوسها السائدة منذ الإغريق بمراسيم تدريجياً.
البابا ليو يُدرك الأزمات الخطرة التي مر بها العالمان المسيحي والإسلامي معاً وأثرت في علاقاتهما المتبادلة عبر التاريخ وأبرزها: الاضطهاد الديني، والانقسام والصراع المسيحي – المسيحي، وكثرة الحروب الأهلية، والتعصب المذهبي، ومحاكم التفتيش، وهجرة طوائف مسيحية من أوروبا إلى أمريكا فِراراً من التنكيل والاستعمار، وظهور حركات وأفكار الارتياب الكامل في الدين وتشويهه، والسخط على الكنيسة والإلحاد والعدمية والمادية واللاأدرية، وردود الفعل على العنف والاضطهاد وعدم المساواة. وبرز الصراع المسيحي – الإسلامي وطال الشرق الأوسط الذي وَقع ضحية سرديات دينية مسيحية واستشراقية وسياسية خاطئة، جعلته ساحات حروب ومواجهات وحملات عسكرية وصدام حضارات وعدم استقرار وتَفتت. لهذا، دعا البابا ليو إلى التسامح الديني والثقافي والحوار السياسي ونبذ العنف وتنمية الحس الأخلاقي والتعايش الإنساني وصُنع العدالة والسلام والمحافظة على الإيمان وروح الشعوب.
في لبنان، دعا البابا القوى السياسية إلى الحوار الداخلي البنّاء، والانفتاح المتبادل، وشملت لقاءاته رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء، وممثلي المجتمع المدني اللبناني، والسلك الدبلوماسي والكنسي، وأدى صلاة صامتة في موقع انفجار مرفأ بيروت، وأقام قداساً في الواجهة البحرية لبيروت، وأكد على «التعايش السلمي» بين المسيحيين والمسلمين. واقع التعايش السلمي المسيحي – الإسلامي – اللبناني راسخ شعبياً وأهلياً ومدنياً، كون «التعددية» و«الفسيفساء» اللبنانية طبيعية، تاريخية، حضارية، جَمالية، وسِر تقدم ونهضة لبنان. وما يعتريه من تحديات منذ الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990) يعكس مصالح قوى ولا يعكس مشاعر ومعتقدات ومواقف أطياف الشعب اللبناني المتفاعلة والمتكاملة في حياتها وأعمالها اليومية، التنموية، الوطنية، الإنسانية.
البابا قوة دينية سياسية عالمية، يستمد فهمه من عِلمه وتراث أسلافه، يجد فيه الضعفاء والمحتاجون لا القائد الديني فحسب بل النصير والظهير، وهم حوله من ضحايا الحروب والحصار وتدمير المدن والفتن الطائفية وظروف العذاب الإنساني والاعتداءات والمجاعة والتهجير في غزة وجنوب لبنان والضفة الغربية وسوريا.
ولكن البابا ليو لم يشملها بزياراته، ولم يُقم فيها صلواته وخطاباته، خاصة أن سلفه البابا فرنسيس، صاحب نظرية «القوة الحقيقية هي الخدمة» وتَمكين الضعفاء والمُهمشين والمجتمعات المنكوبة والدفاع عنهم، دعا إلى إجراء تحقيق في «الإبادة في غزة»، وزار القدس. وقد أطلق 1000 قسيس كاثوليكي مسيحي، ينتمون إلى 28 دولة من جميع القارات، حملة في إيطاليا تحت شعار «قساوسة ضد الإبادة الجماعية»، نددوا فيها بإسرائيل ودعوا إلى احترام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وأحكام المحكمة الجنائية الدولية.