في القرن السابع عشر صك الفيلسوف الفرنسي الشهير رينيه ديكارت مقولة «أنا أفكر، إذاً أنا موجود». كانت فلسفة ديكارت، وهو عالم رياضيات وفيزياء، تقوم على الشك الذي يوصل إلى اليقين، ويعني ذلك «إعمال العقل». كأغلب مقولات الفلاسفة، تعرضت للنقد مثلما فعل الكاتب الفرنسي/ التشيكي المعاصر مثلان كونديرا الذي رأى أن الإحساس هو أساس الوجود، وبالتالي كان رأيه «أنا أحس، إذاً أنا موجود».
من أكثر مقولات السخرية مرارة التي انتشرت مؤخراً في تنويع سطحي على مقولة ديكارت «أنا لا أفكر، جوجل موجود». ورغم ما يبدو في المقولة من تفاهة، إلا أنها عكست واقعاً حقيقياً مع تطور محركات البحث على الإنترنت، وانتشار الهواتف الذكية المتصلة بالشبكة عبر تقنيات حديثة مثل «واي فاي» وغيرها.
وكلما زاد الاعتماد على الإنترنت كمصدر للمعلومات، في كل شيء تقريباً، قل الاعتماد على العقل والتفكير. لم يعد ذلك قاصراً على الناس العاديين في الأمور البسيطة، إنما أصبح سمة في كل شيء من عمل المؤسسات الصغرى والكبرى، إلى التعليم والصحة وغيرهما. ففي النهاية من يقومون بكل ذلك بشر يحملون هواتف ذكية متصلة بالإنترنت.
لك أن تتخيل مقولة السخرية المرّة هذه مع ظهور «تشات جي بي تي» وغيره من تطبيقات الذكاء الاصطناعي! ببساطة، لن تكون هناك حاجة للعقل ولا للتفكير وربما حتى للتعليم من أساسه، فالتطبيقات المتاحة على الإنترنت تصل إليها عبر هاتفك بضغطة زر لتقوم بكل شيء نيابة عن عقلك.
كل تطورات التكنولوجيا مهمة لتسهيل حياة البشر طالما تعاملوا معها كوسيلة لتطوير قدراتهم وليس كغاية ومنتهى تحل محل عقولهم. لكن طبيعة الناس في الأغلب «الاستسهال»، وما إن يجدوا من يقوم عنهم بمهمة ما يتخلون عنها ببساطة. ولأغراض تجارية بحتة، تساعد الشركات والأعمال على هذا التوجه من دون انتباه لخطورته على المدى الطويل.
فشركات الإنترنت الكبرى وتطبيقات التواصل إنما تسعى لزيادة المستخدمين والمشتركين لما يحققه ذلك لها من عائدات وأرباح. وتجد من بعض المشاركين، ممن يسمون «مؤثرين»، وسيلة لزيادة المتابعات والمشاركات، ما يجذب شركات الإعلان والتسويق.
ليس الأمر مجرد أن إتاحة تلك التطبيقات يعني صعوبة قياس قدرات التلاميذ والطلبة، بل حتى قدرة المدرسين والأساتذة على القيام بمهامهم الأساسية. إنما الخطورة أن الجميع في العملية التعليمية يفقدون المعنى الأولي لها وهو بناء قدرات العقل. والنتيجة أن الجميع يعتمدون على تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تفكر نيابة عن عقولهم، فيتوقف نمو العقل وتنتفي القدرة على مراكمة المعرفة، فهي في النهاية موجودة في مراكز البيانات الكبرى التي تشغل الذكاء الاصطناعي.
لكن محركات البحث المتقدمة ومخزونها من المعلومات، ومراكز البيانات الكبرى التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي هي في الأساس ذلك المحتوى المتوفر أصلاً على الإنترنت. وبما أن كثيراً من هذا المحتوى تضليل وتلفيق ونظريات مؤامرة تزيّف الحقائق فإن مدخلات كل تلك التطورات التكنولوجية على أقل تقدير ليست دقيقة وفي بعض الأحيان مزيفة. وبالتالي فإن نتائجها، مهما كان تطور التكنولوجيا وتعقيد برامج الكمبيوتر وتقدم شرائح المعالجة الرقمية، لن تكون دائماً سليمة ولا منطقية.
هنا تأتي أهمية حماية العملية التعليمية من كل تلك الأضرار الجانبية المؤكدة. في هذا السياق كتبت كولين كندر المحاضرة في جامعة «ييل» الأمريكية مقالاً في «نيويورك تايمز» هذا الأسبوع عن تجربة تقوم بها مع طلاب برنامج الصيف بالجامعة. وهي أن تأخذهم بعيداً ليقضوا شهراً من دون إنترنت ولا هواتف ذكية، ويقومون بمهام طلابية من الدراسة والبحث والكتابة.
النتيجة التي ذكرتها كندر مذهلة حقاً، وتؤكد أن الحلول متاحة إذا أريد للتعليم ألا يصبح مثل «تيك توك» سطحياً، ويذهب أثره في دقائق وينتهي بخريجين لا يعرفون شيئاً مما درسوه.
هذا الربط المتعسف بين إدمان التصفح وإدمان المخدرات مقصود، لأن القاسم المشترك هو «ذهاب العقل» وفقدان القدرة على التفكير المنطقي السليم. قد لا يكون لإدمان التصفح أعراض جسمانية واضحة مثل إدمان المخدرات، لكن التأثير النهائي لا يختلف كثيراً بالنسبة للعقل والتفكير. فلنفكر أكثر مما نتصفح.

[email protected]