إلى جانب الخلاصات المهمّة التي أحاط بها الزميل رضا السميحيين في تحقيقه الصحفي المهني في «الخليج» أمس حول ما سمّاه تضخم عدد الكتّاب، وتحوّل النشر اليوم إلى نشاط متاح للجميع، وأن القارئ بدأ يفقد ثقته ببعض الإصدارات الجديدة، يمكن أن نستحضر ما قالته الشاعرة الأمريكية إميلي ديكنسون (1830-1886): «إن النشر هو المزاد العلني لعقل الإنسان»، ولذلك، عرفها العالم جيداً بعد موتها، فقد كانت تكتب شعرها ولا تنشره، وكانت تجعل قصائدها على شكل لفافات مربوطة معاً بخيط من القنّب، كما قال مترجم شعرها إلى العربية الشاعر د. عابد إسماعيل.
هنا تلاحظ أن الكثير من أعلام الأدب العربي الكبار في النصف الأول من القرن العشرين لم يكونوا متهافتين على النشر، وبعضهم، كان يكتب ويحتفظ بمخطوطاته في صناديق أو خزائن جرى الكشف عنها بعد أمد طويل من رحيل ذلك الصف من الكتّاب الكبار، ومن المعروف أنه إلى اليوم تفاجئنا الصحافة بالكشف عن مؤلفات ومخطوطات لبعض الكتاب، وتنشر كما يقال دائماً للمرة الأولى.
كان أولئك الشعراء والأدباء وأعلام الفكر والفن يعزفون عن النشر، لا لأن دور النشر كانت صعبة عليهم أو لأنها قليلة في عواصم الثقافة العربية آنذاك، بل، لأن النشر الذي اعتبرته إميلي ديكنسون مزاداً علنياً لعقل الإنسان يضعهم في دائرة الشهرة الإعلامية، الأمر الذي يعني اقتحام خصوصياتهم الفردية وإشهار ذواتهم الأدبية التي تميل بالفطرة إلى حالات من العزلة، والنأي بذواتهم المبدعة عن الإعلان والإشهار اللذين ينطويان على شيء من الدعاية والترويج، وهما أمران مرفوضان نفسياً ووجودياً عند الكثير من الكتّاب الكبار.
اليوم، في عالم النشر والكتابة عموماً، يختلف الأمر تماماً من الناحية الأخلاقية عن ذلك الزمن الثقافي العربي العصامي، زمن الكبار المعتصمين بذواتهم الكبيرة والأحياء في الكتابة التي تبعد أرواحهم عن «المزاد العلني».
بالفعل، نشهد اليوم مزادات علنية من هذا النوع الذي يهين الأدب وَيُسَطّح روح الكتابة، وذلك حين ترى التهافت على الشهرة والحضور الإعلامي عن طريق بعض آليات النشر السريعة والاستهلاكية بكل معنى الكلمة.
صناعة النشر صناعة نبيلة، راقية، ذات صلة وجودية بكل ما هو حضاري ومدني، وأصبح لهذه الصناعة حمايات قانونية وضوابط أخلاقية رفيعة، وهي فن وإبداع بدءاً من محتوى هذه الصناعة وإلى إخراجها البصري والفني، لكن المشكلة تكمن دائماً في التهافت والخفّة اللذين يتحولان إلى مزاد تجاري أو نفعي.