د. صلاح الغول*
يأتي اليوم العالمي للغة العربية، الموافق 18 ديسمبر (كانون الأول) من كل عامٍ، للاحتفاء بلغة الضاد، ف «هي اللغة الأصل لكل لغات العالم»، ومن بين اللغات الخمس الأولى في العالم من حيث عدد المتكلمين بها، وكانت لغة الثقافة والعلم ردحاً من الزمن، دون الحديث عن تأثيرها في ثقافة أكثر من 1.5 مليار مسلم من غير العرب، وفي غيرها من اللغات الحية.
لكنّ اللغة العربية تختبر محنة كبيرة أو أزمة عسيرة في الوقت الحاضر، وثمة قلق عام على واقعها ومآلها، وثمة إهمال جسيم لها، بل هناك نوع من ثنائية المشاعر تسود بين أهل الضاد تجاه لغتهم، فهم يحبونها ويتعلقون بها، لكنهم لا يهتمون بها حتى على مستوى تعليم أبنائهم بها. وبقدر ما تحترم الشعوب العربية اللغة الفصحى كونها لغة القرآن، تبدو غير محبذة لاستعمالها في التخاطب اليومي. وهكذا تُعاني العربية اليوم الازدواجية، بمعنى أنّها لغة منقسمة على نفسها، ما بين فصحى وعامّية أو بالأحرى عاميات متعددة ومتنوعة، وإن طغى استعمال الأخيرة بشكلٍ كبير على الأولى.
ورغم أن الفصحى هي اللغة الرسمية في كل البلدان العربية (نظرياً)، فهي ليست اللغة الأولى لأي عربي في يومنا هذا، بل تُعتَبر اللهجة العامية الخاصّة بكل دولة (أو كلّ منطقة) هي اللغة الأولى التي يكتسبها الطفل في المنزل، قبل أن يتعلم الفصحى كلغة ثانية، إن جاز التعبير، في المدرسة. ومن الشائع جداً ألا يفهم بعض العرب بعضهم، فالمشرقي لا يفهم عادةً اللهجات المغاربية بصفة خاصة.
وقد أثرت العولمة اللغوية تأثيراً سلبياً في بنيان العربية. وتبدو اللغة العربية في مؤشرات الارتباط بمجتمع الشبكة في وضعٍ غير مريح، لأنّ البيانات العلمية المتاحة على الشبكة بالعربية قليلة، والفجوة الرقمية بين العالم الأول والعالم العربي لا تزال عميقةً. ومما يُهدد العربية حديثاً لدى الأجيال الحالية، فضلاً عن المزج بين المفردات العربية والأجنبية (الإنجليزية بالأساس) في الحَكي، أنهم يستعيضون عن الحروف العربية بالحروف اللاتينية، مع مزجها بالأرقام والرموز لأداء الأصوات التي لا تتضمنها الأبجدية اللاتينية، في الرسائل النصيّة القصيرة عبر الهواتف وفي شبكات التواصل الاجتماعي.
وعلى الرغم من شيوع نظرة تشاؤمية لواقع ومستقبل اللغة العربية، لا أحد ينكر أنّ العربية الفصحى تبقى أكثر اللغات القديمة الحية صموداً واستمراريةً، إذا ما قارنّاها باللغات القديمة الأخرى كاللاتينية والأنجلوسكسونية، و«لها من الخصائص والمزايا ما يرفعُها ويَسْمُو بها في دُنيا اللغات، وهي من أطولِ اللغات العالميّة عُمْراً، وأوسعِها مُعجَماً، وأروعِها بياناً، » كما بيّن صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.
ولا تزال اللغة العربية تحظى بمكانة جيدة بعيداً عن خطر الاندثار، بل يُنظر إليها على أنّها من لغات المستقبل بعد الصينية والإسبانية والإنجليزية. وعلى الرغم من ضعف المحتوى العربي في شبكة الإنترنت إلى حدّ الآن، إلا أنّ اللغة العربية قد تكون واحدةً من لغات قليلة تحظى بالأهمية والانتشار والاستخدام على نطاق واسع.
كما أنّ للغة العربية إمكانات استثمار مثاليةً، لاسيما في الغرب. كما أنّ ارتباط اللغة العربية بالإسلام، عقيدةً وشريعةً وتراثاً وحضارةً، يُعطيها إمكانات هائلة لأن تكون إحدى أدوات القوة الناعمة للدول العربية. وإنْ لم تبق اللغة العربية الفصحى مستعملة على نطاقٍ واسع وجماهيري، فإنها تستمرّ وطناً روحياً للعرب «يؤوي من حُرِمَ وطنَه على الأرض». كما أنّ من دواعي الأمل أنّ اللغة العربية قوية البناء الداخلي، راسخة الجذور، خبرت أزمات التاريخ، واجتازتها.
وهنا، يبرز دور الدولة الإيجابي في دعم اللغة العربية، عن طريق الانخراط والتكامل مع العولمة الثقافية واللغوية من ناحية، والتعاون الثقافي فيما بين الدول العربية، وسَنّ سياسات لغوية لتقديم تعليم بجودة عالية باللغة العربية، وبناء ثنائية لغوية متوازنة لا تكتفي بالانفتاح على اللغات «الكونية» للإسراع في وتيرة التحديث والاندماج في مجتمع الشبكة، بل وتقتحم العالمية عبر تعزيز الإنتاج العلمي والأدبي والفلسفي باللغة العربية.
ولنا في ما تفعله دولة الإمارات أسوةٌ حسنة، من إطلاق مبادرات نوعية، وانتهاج سياسات حصيفة، وتخصيص جوائز قيّمة لتعزيز وضع العربية (يوم اللغة العربية، تحدي القراءة العربي، ميثاق اللغة العربية، مبادرة «بالعربي»، تعزيز المحتوى العربي على الإنترنت، جائزة خليفة التربوية للغة العربية، وجائزة محمد بن راشد للغِة العربية).
بيد أنّ دور الشيخ سلطان بن محمد القاسمي في دعم اللغة العربية لا بد أنْ ينوه به، ويُحتفى به، ويثنى عليه. ولا يتسع المقام هنا لحصر معالم هذا الدور الكبير، لكني أشير إلى بعضها، مثل ترؤسه مجمع اللغة العربية في الشارقة، وإشرافه على إصدار المعجم التاريخي للغة العربية، ولقاءاته العديدة والمستمرة بالعلماء والباحثين اللغويين، وتخصيص جوائز لتكريمهم وتحفيزهم، مثل جائزة الشارقة للدراسات اللغوية والمعجمية، ونشر أطروحاتهم، والدعم المتواصل للمراكز العاملة في تعزيز اللغة العربية، وتوفير وقف لخدمة المراكز الخاصة بالثقافة واللغة العربية.