على باب عام جديد تقف الأمنيات، منها القادم حديثاً، المولود من رحم التغيرات، ومنها العتيق الذي اعتاد أن يمشي معنا الدروب دون أن يفارقنا يوماً. أمنيات نرددها كأسمائنا، صارت تشبهنا، ورغم مرور السنوات لم نيأس من تكرارها، بل نتفاجأ بأنفسنا ونحن نعيدها بصدق وشغف وبنفس الترتيب وكأننا على يقين وإيمان مطلق بأنها سترى النور قريباً، وأن العام الجديد سيشهد لحظة ولادتها.
الأمنيات هي الظل الملازم دائماً وأبداً للأمل، فما من أمنية تعكس يأساً، بل قد تولد من رحم يأس، لتحملنا من شرنقته والانغلاق على الذات والحزن والانكسار لنطير معها كالفراشات في الفضاء الرحب حيث تستكين النفوس وتبتهج وتتحرر.. هل رأيت مرة أمنية تمشي أمامك، تسبقك إلى حيث رسم لك خيالك مقعداً لتجلس وتتفرج، أنت المشاهد الوحيد لكن المشهد يعج بالناس، تهمس لك الأمنية بأنك تعيش لحظات لن تنساها، استمتع، المشهد أنت بطله وأنت كاتبه وأنت مُشاهده الأوحد.
الرحلة لا تطول، لكنك تستعد لتحويل الظل إلى نور، إلى واقع تشارك في صناعته، يصبح واقعاً ملموساً، وتمضي بك الأيام والحلم يبقى حلماً.. لا تعرف لماذا يبقى تفكيرك متركزاً على ما لم يتحقق، على الأمنيات والأحلام التي تكبر في داخلك وكلما اقتربت منها ابتعدت، ولا تنتبه أحياناً أن ما زرعته الحياة على دربك أزهر وأثمر نجاحات لم تكن في الحسبان؟ تعطيك الحياة الكثير ولكنها تضعك في اختبارات مستمرة، وكأنها تتعمد أن تحيد عن حلم تتمناه من كل قلبك لدرجة أنك لا ترى سواه هدفاً، تضع على دربك الكثير من العراقيل والكثير من المطبات والإشارات، لا تجيد قراءتها فتكمل بنفس أهدافك إلى أن تقودك طرقات الحياة إلى محطات جديدة ومختلفة.
تمشي مع الحياة دون أن تتخلى عن أغلى الأمنيات، قد تكتشف يوماً أنها كانت من دوافع مثابرتك وسعيك للعمل والاجتهاد ومواصلة السعي خلف ما هو «أجمل» و«أفضل» و«أهم».. هل تكبر الأحلام معنا؟ دائماً نصل إلى مرحلة من النضج ونحن محملين بكميات لا تحصى من الأعباء والخبرات والإنجازات.. لا نعرف كيف ومتى صغرت تلك الأحلام «التي لم تتحقق» في عيوننا وتلاشت لدرجة أنك بالكاد تتذكرها وبالكاد تهتم لتحقيقها أم لا، وبالكاد تشعر بأنها كانت جزءاً منك ومن واقعك ومخططاتك.
عام يمضي وآخر يأتي وفي الجعبة الكثير من الشغف والأمل، وسواء تحقق منها جزء أم تجاهلتنا الأيام، يبقى الأمل صناعة ذاتية لا نتخلى عنها بل نجعل منها سفناً نبحر بها بعيداً ثم نعود إلى الواقع.

[email protected]