شهدت فلسطين عام 2025 استمراراً لحرب الإبادة الإسرائيلية والأزمة الإنسانية الخانقة، بما في ذلك انهيار كل الخدمات الأساسية والنزوح الجماعي المتكرر ومحاولات التهجير القسري، والتي وصلت إلى حد الكارثة، وإعلان المجاعة من قبل الأمم المتحدة في قطاع غزة، وذلك بالرغم من اتفاقيات وقف إطلاق النار الهشة، في بداية الربع الرابع من العام، والجهود الدبلوماسية الدولية المكثفة لإنهاء الحرب. كما شهدت الضفة الغربية والقدس المحتلتان تصعيداً خطراً وغير مسبوق في العنف وعمليات القتل والتهجير القسري، بالتوازي مع تسارع وتيرة الاستيطان والمساعي الإسرائيلية الحثيثة لإعلان الضم، أو ما يسمى فرض «السيادة الإسرائيلية» عليها. لكن الصورة لا تكتمل من دون المرور على المشهد الإسرائيلي في الداخل، حيث تعمق الانقسام بين القيادتين السياسية والعسكرية في إسرائيل حول المسؤولية عن هجوم 7 أكتوبر، والفشل في تحقيق أهداف الحرب، وتداعيات ذلك على الاقتصاد والمجتمع الإسرائيليين، ومن دون الحديث عن سقوط السردية الإسرائيلية في الخارج جراء الحراك الدولي المناهض لإسرائيل في معظم مدن وعواصم الغرب، والتلويح بفرض عقوبات وإصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق مجرمي الحرب، والتحولات الجارية في مواقف الدول التي أفضت إلى تسونامي الاعترافات بالدولة الفلسطينية، إلى جانب الصمود الأسطوري الفلسطيني الذي انبعث كطائر العنقاء من تحت الرماد لينعش حلم الدولة الفلسطينية رغم الإبادة والدمار.

العام الأشد فتكاً

مع إسدال الستار على عام 2025، يكشف حصاد الشهور الماضية في قطاع غزة عن واحد من أكثر الأعوام قسوة في تاريخ الحصار والحرب وتوالت على مدار العام مشاهد تجسّد انهياراً إنسانياً وتجويعاً غير مسبوق.

في هذا العام الذي وصف بأنه الأكثر فتكاً للفلسطينيين منذ عام 1967، تصاعدت وتيرة حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع، ومعها استمرت المقتلة اليومية، وانهيار المؤسسات الخدمية والصحية، واشتد الحصار ومنع دخول المساعدات، وتكرست المجاعة رسمياً بإعلان الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية في شهري أغسطس/آب وأكتوبر/ تشرين الأول الماضيين، ليرتسم معها عام كامل من الانهيار الإنساني المتواصل، بلا مؤشر حقيقي لنهاية المأساة. في هذا العام، دخل سكان غزة في دوامة مرعبة من النزوح الجماعي المتكرر، وسط انهيار الخدمات والنظام الصحي بشكل شبه كامل، مع خروج معظم المستشفيات عن الخدمة، وارتفعت أعداد الضحايا الفلسطينيين إلى أكثر من 70 ألف قتيل، و171 ألف جريح بحسب وزارة الصحة في القطاع. وعلاوة على ذلك أدى استمرار الحرب الإسرائيلية إلى نزوح أكثر من 90% من سكان غزة (نحو 1.9 مليون شخص) قسراً من منازلهم، والغالبية العظمى منهم نزحوا عدة مرات. والأسوأ أن معظم النازحين يقيمون في خيام مؤقتة أو ملاجئ مكتظة تفتقر إلى العزل الكافي، سرعان ما أنتج كارثة ومأساة إنسانية جديدة مع حلول فصل الشتاء، حيث أغرقت خيام النازحين البالية، وأصبحت عشرات الآلاف من الأسر من دون مأوى، وتوفي الكثير من الأطفال وكبار السن جراء البرد القارس، في ظل التعنت الإسرائيلي برفض دخول خيام جديدة وكرفانات ووقود للتدفئة، ناهيك عن المواد الغذائية والأدوية، أو حتى السماح بخروج الجرحى والمرضى للعلاج في الخارج.

خروقات وانتهاكات بلا سقف

وبالمقابل ارتفعت خسائر الجانب الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر 2023 إلى 1152 قتيلاً بين ضابط وجندي، 40% منهم تحت 21 عاماً، وفق أحدث إحصائيات جيش الاحتلال، فيما اعترف قسم التأهيل لدى وزارة الجيش بمعالجة «نحو 80 ألف جندي، منهم 26 ألفاً يعانون اضطرابات نفسية»، في حين يرفض ما بين 30 و40% من جنود الاحتياط الخدمة لأسباب، بينها الإرهاق من طول الحرب، حسب إعلام إسرائيلي.

ومع ذلك، يوصف هذا العام أيضاً بأنه عام الهدن والخروقات، ففي 22 يناير/ كانون الثاني، أعلن اتفاق لوقف إطلاق النار وصفقة تبادل للأسرى، سرعان ما انهار هذا الاتفاق قبل انتهاء المرحلة الأولى، في الثاني من مارس/آذار بسبب التعنت الإسرائيلي. وكذلك الحال في مايو/ أيار، حيث تراجعت إسرائيل عن مقترح أمريكي لإبرام صفقة تبادل جديدة وإنهاء الحرب.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في شرم الشيخ المصرية بوساطة أمريكية مصرية قطرية، بناء على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب وتحقيق السلام والمكونة من 20 بنداً. وتتضمن ثلاث مراحل، يتم بموجبها في المرحلة الأولى إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين الأحياء والأموات، مقابل انسحاب جزئي إسرائيلي إلى ما سمي ب«الخط الأصفر» وإطلاق سراح مئات الأسرى الفلسطينيين من ذوي المؤبدات والأحكام العالية، وقد تم تنفيذ هذا الجزء بالفعل، غير أن وقف إطلاق النار ظل هشاً ولم يتوقف بالفعل جراء مئات الخروقات الإسرائيلية التي أودت بحياة المئات من الفلسطينيين. ولا تزال إسرائيل ترفض الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، لإبقاء الأبواب مفتوحة أمام طموحاتها في استئناف الحرب، بعد أن وافقت حكومة نتنياهو تحت الضغوط الأمريكية على خطة ترامب، لإرضاء الائتلاف الحاكم واليمين المتطرف، وبذريعة عدم تحقيق أهداف الحرب. ولا تزال تصر على نزح سلاح «حماس» والفصائل الفلسطينية، واستعادة رفات آخر رهينة من القطاع، كشرط للانتقال إلى المرحلة الثانية، وترفض أي صيغة أخرى من نوع «تجميد» السلاح أو إخراجه من الخدمة، لارتباط ذلك أساساً بالتسوية السياسية.

شكوك حول خطة إنهاء الحرب

والحقيقة أن إسرائيل لا تريد دفع استحقاقات المرحلة الثانية التي تتطلب انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من قطاع غزة، وإطلاق سراح المزيد من الأسرى، ونشر قوة استقرار دولية مؤقتة (بقيادة أمريكية محتملة) للإشراف على الأمن وجهود التعافي وإعادة الإعمار. أما المرحلة الثالثة فتتضمن خطة طويلة الأمد لإعادة الإعمار الكامل لغزة وتحويلها إلى منطقة مستقرة، مع وجود حكومة تكنوقراط فلسطينية تدير شؤونها، ولعل آخر ما تريده هو البحث في «اليوم التالي» أو في المسار السياسي والتوصل إلى حل للقضية الفلسطينية. وعلى الرغم من تعثر تشكيل «القوة الدولية» التي ستنتشر في القطاع والتأخر في إعلان «مجلس السلام» وحكومة التكنوقراط الفلسطينية التي ستتولى إدارة الحكم بعد تنحي «حماس»، فإن واشنطن، خلافاً للرغبة الإسرائيلية، تضغط للانتقال إلى المرحلة.

وهناك أيضاً ضغوط تمارسها 8 دول عربية وإسلامية، هي الإمارات والسعودية ومصر وقطر والأردن وتركيا وإندونيسيا وباكستان، لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2803 الذي تبنى الخطة الأمريكية، والانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة غزة، ورفض أي محاولات جديدة للتهجير كما تشتهي إسرائيل عبر فتح معبر رفح باتجاه واحد. وبالمحصلة، لا تزال «خطة غزة» تواجه الكثير من التحديات على صعيد التعنت الإسرائيلي الذي يخشى الانسحاب الكامل في نهاية المطاف، وفتح مسار سياسي يفضي إلى قيام دولة فلسطينية، أو على صعيد الموقف الفلسطيني غير الموحد حتى الآن، خشية الفصائل الفلسطينية من المخاطرة بتقديم «تنازلات صعبة» مثل «تجريد السلاح»، علاوة على غياب الثقة بين الأطراف المتحاربة، ما يجعل أي اتفاق هشاً وعرضة للانهيار في أي لحظة، وهو ما يبقي الآفاق متأرجحة بين احتمالات النجاح الذي يتطلب التزاماً قوياً بالانسحاب الكامل ونشر القوة الدولية، أو الفشل الذي يعني استمرار الحرب والدمار.

استهداف «حل الدولتين» بتوسيع الاستيطان والتهجير بالضفة


بينما تتواصل الخروقات الإسرائيلية في غزة، تتحول الأنظار نحو الضفة الغربية، حيث تكثف حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة خطواتها نحو ضم مناطق واسعة، في خطوة لإجهاض «حل الدولتين» ودفن اتفاقية أوسلو. وقد شهدت الضفة الغربية والقدس الشرقية في عام 2025 تصعيداً خطراً وغير مسبوق في العنف وعمليات القتل والتهجير القسري، بالتوازي مع تسارع وتيرة الاستيطان الإسرائيلي.
وعلى الرغم من تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعدم ضم الضفة الغربية، وافق وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريش على تنفيذ الخطة E1 التي تستهدف بناء 3500 وحدة استيطانية في مستوطنة «معاليه أدوميم»، ما يعني عزل القدس عن محيطها الفلسطيني وفصل شمال الضفة عن جنوبها. 
 ونفذ الجيش عمليات عسكرية كبرى في مخيمات اللاجئين الشمالية وتحديداً في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، استخدم فيها أسلحة متقدمة كالمروحيات والطائرات المسيرة لأول مرة منذ عقود. هذه العمليات أدت إلى مقتل مئات الفلسطينيين وتدمير واسع للبنية التحتية ونزوح جماعي قسري لأكثر من 40 ألف فلسطيني.  

 

 

«تسونامي» اعترافات بالدولة الفلسطينية


أحدثت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وتداعياتها تأثيرات عميقة في المنطقة والعالم؛ إذ لأول مرة منذ إنشاء إسرائيل عام 1948، تجد نفسها متهمة بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية، وتجد سياسييها وجنودَها مطاردين بسبب ذلك، ليس فقط من قبل الفلسطينيين ومنظمات حقوقية، بل من شخصيات رسمية وهيئات دولية. ولأول مرة تجد نفسها في مواجهة حراك شعبي دولي هز معظم المدن والعواصم العالمية، دفع سياسيّي هذه الدول إلى مجاراة نبض هذه الشعوب لتعديل مواقفهم من الدعم المطلق لإسرائيل إلى مواقف أكثر توازناً، وذهب بعضهم إلى حد قطع العلاقات وسحب السفراء والمطالبة بفرض عقوبات عليها، لتستفيق إسرائيل على أُفول سرديتها التي هيمنت على العالم لعقود طويلة، بعد أن لم يعــد ممكناً تبريـــر الإبادة والتجويع والدمار تحت شــعـــار مـــا يســمــى «الــدفــــاع عـن النـفـس».
واجتاحت التظاهرات والاحتجاجات أعرق الجامعات الأمريكية، وامتدت إلى الشارع الأمريكي قبل أن تعبر المحيط إلى الجامعات والشوارع الأوروبية، وفي معاقل الدول التي كانت تعتبر-تقليدياً- حكراً على إسرائيل، فيما خرجت تظاهرات بالملايين في بريطانيا وإسبانيا وإيطاليا وأستراليا وفرنسا وألمانيا، وبنسبة أقل في بقية المدن والعواصم العالمية. وقد شهد عام 2025 موجة كبيرة وغيرَ مسبوقة من الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، من قبل دول غربية كبرى، بينها بريطانيا وفرنسا، إضافة إلى كندا وأستراليا والبرتغال وبلجيكا ولوكسمبورغ ومالطا وموناكو، وكانت إسبانيا قد اعترفت من قبل، ما رفع عدد الدول المعترفة إلى 159 دولة من أصل 193، بحسب وزارة الخارجية الفلسطينية.