أوّل من اخترع الصندوق الأسود، أخطر جهاز في الطيران، هو عالم الأبحاث الأسترالي ديفيد وارن في العام 1956، تلك هي المعلومة الأولية التي قد تتبادر إلى ذهنك عند تعرّض طائرة مدنية أو عسكرية لكارثة سقوط أو انفجار في الجو، والآن، وبعد سقوط طائرة رئيس الأركان الليبي العميد الركن محمد الحداد قبل يومين، بالقرب من العاصمة التركية أنقرة، يذهب الكثيرون إلى قراءة قصة الصندوق الأسود، وهو ليس صندوقاً واحداً بل اثنان، ولونهما برتقالي أو أصفر وليس أسود، ويحتفظ أحد الصندوقين بمعلومات عن سرعة الطائرة وآلية طيرانها في الجو، فيما يحتفظ الصندوق الثاني بالأصوات والمكالمات التي تجري بين الطيار وأبراج المراقبة على الأرض.
يقاوم الصندوقان حرارة حريق تصل إلى ألف درجة مئوية، ويعتمد على الذبذبات التي يبثها الصندوقان حتى في عمق 6000 متر تحت الماء، وإلى فترة طويلة لا يتأثر الصندوقان بملوحة البحر، ويقاومان حرارة النار وعنف الحطام المتسبب جراء سقوط الطائرة، ويشكل العثور على الصندوقين توصلاً مهنياً وقانونياً لكارثة الطائرة، ويتولى تحليل بيانات الصندوقين خبراء وفنيون متخصصون في أبحاث الطيران، وفي بعض الحالات، يُنقل الصندوقان بعد العثور عليهما إلى دولة محايدة لا تملك شركة الطيران التابعة لها الطائرة المنكوبة، كما يتولى التحقيق في بيانات الصندوقين خبراء ليسوا من الدولة التي سقطت على أرضها الطائرة.
يتوقف القارئ عند هذه النقطة الأخيرة المتعلقة بتحليل محتوى الصندوقين من معلومات وأصوات ومكالمات هاتفية، فلا بد إذاً من محقق حيادي في دولة يجري الاتفاق عليها أثناء قضية الطائرة المحطمة، ومعنى ذلك واقعياً وضمنياً أن الفساد والغش والكذب كلها أمور واردة في عملية فحص الصندوقين، وهما صندوقا السر والحقيقة وفك الغموض الذي غالباً ما يتعلق بالكثير من كوارث سقوط الطائرات المدنية، بخاصة إذا كان على الرحلة شخصيات نافذة، هي في الأرجح شخصيات سياسية، ومن هنا يتوخى المحققون في الصناديق السوداء المهنية والحيادية، واستقلالية فريق البحث الفني الذي يتولى أمر الصندوقين.
قصة ممتعة فعلاً، لأنها تحمل عناصر الإثارة والتشويق والغموض، وهذا بالطبع من ناحية شعرية أو أدبية، لكن على أرض الواقع هناك دائماً عقول بالغة الدهاء إلى درجة تذويب الصندوق المصنوع من مادة مرعبة هي «التيتانيوم» التي لا تنصهر تحت درجة حرارة تفوق الألف درجة مئوية، لكن، وبكل بساطة يستطيع العقل البشري الداهية أن يصهر الصندوق في قصة ملفقة «ممتعة» هي الأخرى.
بقي القول إن لكل منا في داخله صندوقه الأسود أيضاً.