كما هو معروف فإن الأفكار هي المولد والمنتج للإبداع، ولا يمكن تصور علمية إبداعية أياً كان نوعها، دون عملية تفكير وفكرة، تكون هي الأساس الذي من خلاله يتم البناء والإنتاج الإبداعي، لذا لا يمكن فصل العملية الإبداعية عن تنمية التفكير، ولا يمكن تصور مبادرات خلاقة مؤثرة دون فكرة قوية وجاذبة وغير مسبوقة، وهذا يقودنا لنقطة مهمة تتعلق بعملية التفكير وإيجاد الفكرة، وهي تلك التي تسمى ولادة الفكرة، حيث يعتريها في كثير من الأحيان الخطأ، وهذا الخطأ الذي لا يمكن التسامح فيه عند بعض الناس، وإذا قسنا هذا الجانب على المربين من الأمهات والآباء، والمعلمين، فإننا نجد أنهم الأكثر قصداً بهذا الجانب، وهو السماح بهامش من الخطأ، للأجيال القادمة، وعدم المحاسبة ولا المراقبة، لأن تلك المحاسبة والتعنيف على الخطأ في هذا الجانب بمنزلة هدم للأساس الذي تقوم عليه عملية التفكير الإبداعي، خاصة إذا عرفنا أن الخطأ ليس نقيضاً للإبداع، بل كأنه شرط خفي له.
علم النفس المعرفي وعلم الأعصاب يقولان إن الإبداع يظهر غالياً عندما تنهار السيطرة المؤقتة. ويقصد بالسيطرة المؤقتة المراقبة والتدقيق، وهذا يبين حاجة العقل البشري إلى مساحة للانطلاق والتفكير، دون موانع أو حواجز، أو عوائق، ودون حدود، وبالتالي هناك مساحة بنوع من الخطأ، وهذا يسميه علماء الإدراك: الفشل المنتج.
وفق دراسة نشرت عام 2008 م قام بها الباحث مانو كابور جاء فيها أن هذا النمط التعليمي يعكس فكرة رئيسية في علم النفس المعرفي والتعلم، وهي: «الفرصة للاستكشاف والتجريب حتى وإن انتهى بالفشل تجهز ذهن المتعلم لبناء نماذج معرفية صلبة تؤدي إلى نتائج أفضل لاحقاً». على سبيل المثال العالم ألكسندر فليمنغ، عندما اكتشف البنسلين، نتيجة لخطأ ارتكبه، وليس للصدفة كما يقال، فقد أخطأ في تعقيم أحد أطباق البكتيريا، وتركه مكشوفاً، ما تسبب في التلوث بالعفن، وفي الأحوال العادية ما يحدث هو أن يتم رمي الطبق فوراً، لكن العالم فليمنغ توقف وسأل: لماذا ماتت البكتيريا هنا، ولم تمت هناك؟ والحقيقة أن الخطأ لم يصنع الاكتشاف وإنما الانتباه الذكي للخطأ هو الذي صنع هذا الكشف المهم.
نعم للخطأ، ولكن أيضاً نعم للفهم، وأخذ العبرة، والبناء بشكل دقيق وعلمي، وهذا الخطأ هو الذي سيقودنا نحو الإبداع والتميز والابتكار.

[email protected]