يطلب عبدالقادر أحد شخصيات رواية «تلك العتمة الباهرة» للكاتب المغربي الطاهر بن جلّون من أحد زملائه في السجن، واسمه سليم أن يحكي له حكاية.. يقول له: «سليم، يا صديقي، يا أديبنا، يا صاحب المخيلة الرائعة، إرْوِ لي عطشي، فبالنسبة إليّ، كل عبارة هي كوب ماء. عذب، ماء رقراق». ترجمة بسام حجّار.
هل الرواية من (الريّ)، أو أن (الريّ) هو أحد جذور الرواية، ذلك الريّ الذي يطفئ عطش الإنسان، والريّ الذي يطفئ عطش الأرض.. أو التراب.
هل الراوي (سقّاء) ماء وهو يسرد الحكايات أو يسرد الحكايات كلها في حكاية واحدة، يأخذ ماءه من البئر والنبع والنهر، أدواته: الماعون، والدلو، والقربة، والجرّة، والإبريق.
هل جاء الروائيون، في الأصل، من فضاءات القرى والريف والجبال حيث الماء والريّ والسقاية، في حين جاء الشعراء من الصحراء، حيث السراب الذي يعلم الإنسان فن الاستعارة والمجاز، ولأن السراب لا يمكن أن يكون ماءً ظل الشعراء كل حيواتهم في الصورة، الصورة فقط، التي يحاولون بها تعويض الحقيقة، والحقيقة هي الماء.
مثل عبدالقادر أقرأ بعض الروايات لكي أرتوي، وأطفئ عطشي إلى الحكاية التي لا تنتهي. ودائماً، كما لو يبحث القارئ عن شهرزاد تروي له الحكايات، بل، يبحث عن شهريار الراوي: شهريار السقّاء، الذي تنازل عن عرش مملكته من أجل حكاية.
كل راوٍ في هذه الحالة هو شهريار مؤنث، أو شهرزاد مذكرة. تبادل الأدوار من أجل الحكاية، من دون أن يفرّط أحدهما بالماء، ودلالاته، ورمزياته.
تبدو الرواية، وكأنها فن السقاية. كل شيء وكل كائن في النصّ الروائي إذا لم يكن الماء يجري فيه، يتحوّل إلى خشب. لا بد من الماء في اللغة. الماء في السرد، والماء في الحكاية، وإلّا، فلا نظام (ريّ) في الكتابة. لا قناة هنا، ولا قناة هناك، لا انسياب، ولا رقرقة، ولا ارتواء.
بعض الروايات (أو بعض الريّ) يفتقر إلى هذا النظام، وهو نظام لم يضعه أحد، ولم يتعارف عليه، ولا يخضع إلى نصّ أو نظرية أو توصيف. تماماً مثل الماء الذي يجري في النهر، ولا نستطيع أن نقطعه مرّتين.
في زمن العطش الثقافي والجمالي والرّوحي ظهرت الرواية العربية الجديدة. ظهر هذا الصف الطويل من السقّائين أصحاب الآبار والدلاء والقرب والأباريق، والجرار التي صنعها الصلصاليّون الأوائل من الرمل والماء والنّار.
كتابة الرواية متعة أدبية ونفسية عميقة، إنها بالضبط متعة شرب الماء البارد من جرّة، والرواية أيضاً متعة وإمتاع، لأنها نثر، والنثر أقرب إلى ماء، النثر حبيبات الماء الفضية الأسطورية، وسرّ القلم الذي يشرب من بئر.
[email protected]