مارلين سلوم

يدهشنا الجمهور حين نكتشف مدى ثقافته الفنية ودفاعه عن رموزه وكبار الفنانين، وحين يطلق أحكامه على الأعمال بدقة وبتفنيد دقيق لكل مشهد ولقطة وتفصيلة. لكن «الجمهور» ليس كله على نفس مستوى الوعي ولا كله يحترم الفنانين ويتعامل معهم باعتبارهم كائنات بشرية مثلنا جميعاً، من حقهم أن يعيشوا حياتهم الخاصة بعيداً عن عملهم وعن مطاردات الكاميرات، ومن حقهم أن يعيشوا لحظات الفرح والحزن بخصوصية وبما يليق بالظرف والمناسبة، دون أن تتحول تلك الدموع والأحزان إلى «فرصة» لتحقيق «ترند» واستقطاب أعلى نسب مشاهدة.
ليس من حق أحد أن يلوم على الفنان أحمد الفيشاوي رد فعله بانتزاع الموبايل من يد أحد المتطفلين الذين كانوا مرصوصين أمام مكان عزاء والدته الفنانة الراحلة سمية الألفي، هذا الشخص لم يكتف بالتصوير من الخارج، بل دخل ليقف مباشرة أمام أحمد الفيشاوي ليلتقط له صوراً وفيديو أثناء بكائه. انفعال الفيشاوي عفوي ومبرر، فلماذا يستغربه البعض ويعتبره رد فعل عنيفاً؟
من يمارس العنف في مثل هذه الحالات هم هؤلاء المتطفلون الذين يستغلون تلك الأوقات الحزينة والصعبة التي يمر بها الفنان ليسرعوا إلى مكان الجنازة استعداداً لالتقاط صورة، ومثلهم يفعل مندوبو بعض الصحف والمجلات والمواقع، الذين يواكبون المشهد الحزين واللحظات الإنسانية المؤثرة باعتبارها «سكوب» أو بلغة اليوم «ترند»، ويعنونون الخبر «شاهد رد فعل الفنان الفلاني» و«شاهد دموع الفنانة الفلانية»، وكأن بكاء الفنان حدث في حد ذاته، أو واقعة نادرة، ألا يبكي كل إنسان لحظة وداع أبيه أو أمه؟ أم أن الممثل يخلع عن نفسه صفته كإنسان ما إن يطأ عتبات الاستوديو ويصبح ممثلاً ومن بعدها مشهوراً؟
مشهد يتكرر، سبق أن رأيناه في عدة مواقف، ونذكر كيف كان اللهاث خلف «دموع» أحمد السعدني حين رحل والده النجم الكبير صلاح السعدني، وكيف كان البعض ينتظر أمام مدافن أسرة النجمين سمير غانم ودلال عبد العزيز، لالتقاط صور وفيديو لابنتيهما دنيا وإيمي حين تأتيان للزيارة والدعاء.
البعض يحسب أن صناعة المحتوى وتصدّر «الترند» يغفر لهم تجردهم من إنسانيتهم، فيفعلون ما يشاؤون وكلهم ثقة بأن «اللقطة» أهم من مشاعر الفنانين وأهم من احترام رهبة الموقف واحترام الحزن واحترام الموت والدعاء للميت.
[email protected]