نبيل سالم

يطلق ساسة الغرب أحياناً تصريحات تشير إلى استغبائهم للآخرين، ولا يعرف ما إذا كانت هذه التصريحات نتيجة جهل ببعض الحقائق أم أنها لا تعدو تهريجاً سياسياً مقصوداً لتمييع القضايا، وإهدار الوقت في سفاسف الأمور للهروب من الواقع والحقائق البينة.
ولعل آخر هذه التصريحات المثيرة للدهشة والاستهجان، ما قاله الرئــيس الأمريكــــي دونـــالد تـــرامب إن إدارته تبحث ما إذا كانت إسرائيل انتهـــكت وقـــــف إطلاق النار في قطاع غزة باغتيال القيادي في حماس رائد سعد في 13 ديسمبر (كانون الأول) 2025 في غارة جوية استهدفت سيارة له في غرب مدينة غزة.
فالرئيس الأمريكي يبحث عن الحقيقة، وما إذا كانت إسرائيل قد انتهكت اتفاق وقف إطلاق النار وكأن الأخبار عن عملية الاغتيال هذه مجرد تسريبات صحفية ولم تبث على شاشات التلفزة، ولم تعترف بها إسرائيل، ولم يعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزير دفاعه يسرائيل كاتس مسؤوليتهما وأنهما أمرا بتنفيذ عملية الاغتيال، بذريعة أنها تأتي رداً على إصابة جنود إسرائيليين بعبوة ناسفة في ما يسمى المنطقة الصفراء من قطاع غزة.
واللافت في الأمر أن جيش الاحتلال أقر بأن تلك العبوة الناسفة انفجرت تلقائــــياً ولم يشر إلى أن أحداً قام بتفجيرها، وهو ما يعني أن أي لغم قــــد ينـــــفجر في هذه المنطقة التي كانت مسرحاً لمعارك مع المقاومة الفلسطينية قابل ليكون ذريعــــة لعدوان إسرائيلي جديد.
وبغض النظر عن كون سعد هو أكبر قيادي فلسطيني يتم اغتياله منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار، وأن هذه العملية تهدد بقاء الاتفاق الذي يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الرئيس الأمريكي على تنفيذ خطته بشأن غزة، فإن أحداً لا يمكنه أن يصدق أن ترامب لا يعرف تفاصيل التفاصيل في قطاع غزة، فالمخابرات المركزية الأمريكية تقدم له باستمرار تقارير يومية بهذا الشأن ناهيك عن الأقمار الصناعية التي توفر للإدارة الأمريكية صورة لكل ما يجري على الأرض.
واللافت في الأمر أنه منذ وقف إطلاق النار سواء في غزة أو في لبنان لا تزال قوات الاحتلال الإسرائيلي تمارس القصف والهجمات الجوية المتكررة، والعربدة في مختلف المناطق والجبهات، وكأن وقف إطلاق النار له مفهوم آخر بالنسبة للإدارة الأمريكية المتعاطفة بل والمشاركة في الجرائم الإسرائيلية سواء في حرب الإبادة التي شنت على الفلسطينيين في قطاع غزة أو الاعتداءات المتكررة على لبنان، أو تلك الجرائم التي يرتكبها جيش الاحتلال والمستوطنون اليهود في الضفة الغربية، وكأن وقف إطلاق النار بالمفهوم الأمريكي هو وقف إطلاق للنار من قبل الآخرين تجاه إسرائيل المعتدية، وفرض أمر واقع على المنطقة، بقبول الهيمنـــــة الإســرائيلية، التي تشكل أحد صفات الشرق الأوسط الجديد الذي تخطط وتسعى له الولايات المتحدة وإسرائيل، وتحاولان تسويقه كمدخل للاستقرار والازدهار، ومدخلاً للسلام الدائم.
لكن من يتمعن في المواقف الأمريكية والإسرائيلية يدرك بكل بساطة، أن آخر ما يفكر به الاحتلال الإسرائيلي، هو السلام، وأن الإدارة الأمريكية تعتبر الحلول المطروحة مجرد صفقات عقارية واقتصادية، في منطقة غنية بالثروات، ومن خلال تفكير عنصري مقيت، ينظر إلى الآخرين بدونية، وغير معني بمصالحهم على الإطلاق، والواقع أنه لا غرابة في ذلك إذا فهمنا الفكر والنهج الذي ينطلق منه الرئيس الأمريكي، فيمنح الاحتلال حق الاعتداء على الآخرين، بل ويسخّر كل إمكاناته للدفاع عنه.
أخيراً نستطيع القول إن تصريحات الرئيس الأمريكي، بشأن وقف إطلاق النار وخطة السلام التي يقترحها تظهر بوضوح أن الإدارة الأمريكية الحالية لا تفكر بجدية في صنع السلام في هذه المنطقة، وإنما تسعى إلى إدارة الصراع فقط بما يخدم مصالح إسرائيل والولايات المتحدة، على المنطقة العربية، وفرض الهيمنة الإسرائيلية عليها، وهو العنوان الخفي للشرق الأوسط الجديد.

[email protected]