د. باسمة يونس
في رسالة وجهتها «ديبلي ميلمان» لقارئ شاب كتبت: «قد لا تتحسن الأمور ولا تحقق أمنياتك وقد ينتهي بك المطاف حزيناً، ولكن يمكنك مواجهة ذلك بالقراءة. اقرأ حتى ينفطر قلبك، فالكتب وبأسوأ حالاتها لن تتخلى عنك وإن دفعتك للبكاء، فستفعل ذلك لأنها رائعة، ويمكنك الوثوق بها لأنها حاضرة دائماً وستنقذ روحك من أي حزن».
والكتب، وإن كانت لا تقدم حلولاً جاهزة لمشكلاتنا، فهي تمنحنا الوعي والقوة لنواجه الحياة، هي لا تغير الواقع، لكنها تغير ما في داخلنا، لنصبح قادرين على تغيير واقعنا، وهذا أحد أشكال النجاة الهادئة التي ترافق الإنسان في رحلته الطويلة نحو الفهم والمعنى.
وهذا أيضاً، من أكثر الوسائل قدرة على إنقاذنا بطرق متعددة لأنها مساحة آمنة نلوذ بها حين تضيق بنا الأيام، تنقذنا من جهالة غياب الفهم والوعي، وتفتح أمامنا أبواب المعرفة، وتمنحنا أدوات التفكير والتحليل، وتحرر عقولنا من الانغلاق والتلقين. إنها تعلمنا كيف نطرح الأسئلة، وكيف نشكّ، ونعيد النظر في المسلّمات، فيصبح الكتاب فعل مقاومة ضد اختزال الحياة في صورة واحدة، أو رأي واحد، لأنه يعكس لنا الحقيقة بوجوه متعددة ويرينا العالم الأوسع خارج نوافذنا الضيقة.
القراءة تنقذنا نفسياً، وتمثل ملاذاً داخلياً نلجأ إليه في لحظات الوحدة، وأوقات الانكسار حينما لا نجد من يفهمنا أو يصغي إلينا، فنجد كتاباً يضع مشاعرنا أمامنا بدقة مدهشة كأنه عاش تجربتنا ذاتها. وهذا يخفف من ثقل الألم، ويجعلنا ندرك أننا لسنا وحدنا في معاناتنا، والقراءة تنقذنا من محدودية التجربة الإنسانية، فالإنسان يعيش عمراً واحداً، وفي مكان واحد، ضمن ظروف معينة، لكن القراءة تمنحه فرصة عيش حيوات متعددة تعبر الزمن، وفي ثقافات مختلفة، هذا الاتساع في التجربة يجعلنا أكثر تفهماً وتعاطفاً، وأقل ميلاً إلى الأحكام القاسية.
والقراءة تنقذنا من السطحية التي يفرضها الاستهلاك السريع للمحتوى، وهي تدعونا للتأمل والإصغاء لصوت داخلي هادئ وسط ضجيج العالم، فهي ممارسة ضرورية للحفاظ على عمق الإنسان وتوازنه.
هي تنقذنا أخلاقياً وروحياً، لأنها تساعدنا على إعادة التفكير في قيمنا، ومواقفنا، ورغبتنا في أن نكون أكثر صدقاً أو عدلاً أو شجاعة، فالأدب العظيم لا يعظنا بشكل مباشر، هو يضعنا أمام أسئلة كبرى عن معنى أن نكون بشراً، وكيف نتصالح مع ذواتنا.
ولا يمكن إغفال دور الكتب والقراءة في إنقاذ المجتمعات، فالمجتمعات التي تقرأ تمتلك ذاكرة حية، قادرة على النقد والتغيير، والقراءة وسيلة للحفاظ على الهوية الثقافية واللغة في مواجهة الذوبان والتشابه، وحين نقرأ نشارك في حوار طويل يمتد عبر الأجيال، ونصبح جزءاً من سلسلة إنسانية أكبر من ذواتنا الفردية.