أعتقد أن هناك خطأ يقع فيه الكثير من الناس، هو توصيف حالة الإرهاق والتعب التي يمرون بها، حيث يصف البعض معاناته في العمل بأنها إرهاق وتعب من ضغوط المهام والواجبات الوظيفية، وإيقاع العمل اليومي السريع، ومثل هذا الإرهاق يمكن تجنبه بالنوم العميق، والإجازة القصيرة، أو حتى بكوب قهوة والهدوء، لكن ما يحدث في البعض من بيئات العمل مختلف تماماً عن مثل هذا التوصيف، وعن هذه الحالة.
ما يعانيه البعض في بيئة العمل هو الاستنزاف، وهذا لا يمكن علاجه بالإجازة والسفر، وليست المشكلة بساعات العمل، ولا بما تتضمنه هذه الساعات من تعامل وإجراءات. لذا، تجب معرفة سبب هذا الاستنزاف، لمعالجته، فالخطأ في الاستدلال على نوع الخلل يتبعه خطأ في المعالجة، كما هو معروف.
عندما تكون مستنزفاً في عملك بسبب عدم الاعتراف بقدراتك، وعدم السماح لك بالتأثير الإيجابي، والتعامل معك كأنك منفذ وحسب، فإنك، دون شك، ستصاب بالإرهاق الذهني والنفسي، وسينطفئ شيء ما داخل عقلك، ليصبح معه النوم عبارة عن غمض للعينين، لا راحة، ولا عمق فيه.
الإجازة طالت أم قصرت، لن تكون الحل، ستسافر وتقضي أياماً جميلة وسعيدة، لكن في اليوم الأخير من الإجازة ستعود مشاعر الإحباط، ومع أول يوم لعودتك إلى عملك، ستشعر بأن لا شيء قد تغير، بل كأنك تعود إلى مواصلة الاستنزاف اليومي. وغني عن القول بأن الموظف الذي يتم تجاهله، والذي لا يتم تقديره، وذلك الذي لا يرى أثراً لتعبه وإخلاصه ولا لما ينجزه، جميعهم لا يحتاجون لإجازة لاستعادة حيويتهم ونشاطهم، بقدر الحاجة إلى معاملة مهنية، نقية، محملة بالاحترام والتقدير والعرفان.
وبالتالي، هنا قاعدة مهمة يجب على المديرين ورؤساء العمل، على اختلافهم إدراكها، هي: الإنسان قد يجبر على العمل لكنه لا يجبر على العطاء. وبالتالي، فإن الإرهاق الذي لا تعالجه الإجازات سببه عمل بلا معنى، وبيئة تخنق العطاء، ونجاح بلا طعم بالإنجاز والتقدير. فإذا أردنا بيئة عمل منتجة، مبدعة، مبتكرة، تتزايد فيها الإنتاجية، فلا مفر من جودة بيئة العمل، ونشر قيم الاحترام، والتقدير، والثناء، والمكافآت.
إننا من دون تأسيس بيئة عملنا على السعادة والعدالة وتكافؤ الفرص، فإننا نحرم أنفسنا من الراحة النفسية التي نستحقها، ونتسبب في تدني الإنتاجية، وضياع فرص التطوير والإبداع.
لست متعباً.. أنت مستنزف
28 ديسمبر 2025 00:03 صباحًا
|
آخر تحديث:
28 ديسمبر 00:03 2025
شارك