تذهب بعض التوقعات إلى أن اللقاء المرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في ميامي، ستكون له تأثيرات مباشرة على الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، وفي صدارتها خطة إنهاء الحرب في غزة، التي تواجه تلكؤاً إسرائيلياً ومناورات سياسية وعسكرية لبعثرة مسارها حتى لا يتم استكمال مراحلها وتنفيذ خطة نتنياهو في التهجير والاستيطان بدل خطة ترامب المعلنة.
قد يكون ما تفعله إسرائيل في غزة، بالتنسيق المسبق مع واشنطن، ضمن عمليات توزيع أدوار لاستكمال اللعبة، ولكن بعض التقارير، ذات المصداقية، تشير إلى أن الإدارة الأمريكية مستاءة جداً من هذا السلوك الإسرائيلي، وهناك خشية من تضرر مباشر لمصالح واشنطن الاستراتيجية مع دول المنطقة، وضرب لمصداقيتها بعد أن تعهدت بإنهاء الحرب في غزة وإعادة إعمارها ومنع تهجير سكانها. وقبل لقاء ميامي، جدد مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف التأكيد عليها، كما أكد مع بقية الوسطاء، قطر ومصر وتركيا، الالتزام بها وبدء المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار بداية يناير المقبل.
المناورات الجارية التي يقوم بها نتنياهو قد تؤدي إلى عودة الحرب وتكرار مشاهد المجازر والمآسي، ولكنها في الوقت ذاته ستسدد ضربة لا تُداوَى لمصداقية ترامب، الذي يريد إنجاز شيء ما عبر خطته المعلنة، التي تعد أمله الأكبر للفوز بجائزة نوبل للسلام في ضوء العراقيل التي تواجه جهوده لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا.
وقبل أن يقلع نتنياهو في اتجاه الولايات المتحدة، أفصح مسؤولون في الدائرة الضيقة بالبيت الأبيض، عن استيائهم منه واتهموه صراحة بأنه يماطل ويعرقل الخطط الأمريكية من المرحلة الثانية لاتفاق غزة، وأن هذا السلوك الإسرائيلي يأتي قبل أيام من إعلان ترامب المفترض عن مجلس السلام، والإدارة الفنية الفلسطينية، وقوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة.
ومن الواضح أن تسريب هذا الاستياء كان مقصوداً، قبيل لقاء ميامي، ويعبر عن انزعاج أمريكي شمل مؤسسات عريقة وشرائح عريضة في قواعد الحزب الجمهوري، وبالذات «حركة ميقا» (لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى) الداعم الأساسي لترامب، الذي يبدو أنه وقع في مأزق بين إرضاء رغبات إسرائيل، والحفاظ على ثقة الحلفاء والوسطاء الذين راهنوا على قدرته على إنهاء المذبحة في غزة وإرساء السلام، كما وعد ووقع في قمة شرم الشيخ في أكتوبر الماضي.
براغماتية ترامب، قد تدفعه إلى الانحياز إلى مصالح بلاده وصورتها، التي يحاول رسمها وتسويقها منذ نحو عام، ولن يكون ذلك إلا بكبح نوازع نتنياهو التوسعية، ويجبرها على الإيفاء بتعهداتها، إن لم يكن امتثالاً للمبادئ المعلنة ولوثيقة خطة إنهاء الحرب، فللحفاظ على المصالح الأمريكية، التي هي أكبر من إسرائيل، وتتصل بمكانة الولايات المتحدة في المنطقة والنظام الدولي. وإذا أراد الرئيس الأمريكي فعل ذلك فهو قادر ولديه الوسائل والإمكانيات، مثلما أجبر إسرائيل على إنهاء حربها مع إيران ووقف عدوانها على غزة، أما إذا لم يرد فعل ذلك فتلك معضلة أخرى على الولايات المتحدة والمنطقة تحمل عواقبها في المدى المنظور.