بالتأكيد، لا تجيد رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني «التنجيم» أو «التبصير» أو قراءة الكف، عندما دعت الإيطاليين في رسالة رأس السنة الجديدة إلى «الاستمتاع بفترة الراحة» خلال عطلة أعياد الميلاد، وقالت «لقد كان العام الماضي (2025) صعباً، وعلينا جميعاً أن ننتظر الأسوأ خلال العام المقبل (2026)». لكن ميلوني كانت مثل غيرها تقرأ في فنجان العام الحالي عواصف هوجاء تحمل تداعيات ما حمله من حروب وكوارث وصراعات وحروب إبادة، وأزمات اقتصادية، وتهديدات، وحصار، وسباق تسلح، وأشكال متنوعة من العقوبات قد لا تنتهي، بل قد تتفاقم طالما أن القوى التي تمتلك القوة تتجاوز كل المواثيق الدولية، ولا تلتزم باتفاقات أو معايير محددة في العلاقات الدولية، وتعمل على تهميش الأمم المتحدة وتفريغها من كل ما اتفقت عليه البشرية من مبادئ لتحقيق الأمن والسلام الدوليين ومنع الحروب.
كل هذه الأزمات سوف تنتقل معنا إلى العام القادم، وسط حالة من عدم اليقين، طالما لم تستطع عمليات الترقيع التي يقوم بها البعض لجم هذا الانحدار العام، والحؤول دون وقوع ما هو أسوأ بكثير، وطالما أن السياسة بما فيها من المفاوضات والمبادرات وأدوات القوة الناعمة بمختلف أشكالها لا تستطيع مواجهة منطق القوة والهيمنة والمصالح، التي لا تعير بالاً للأصوات الداعية إلى السلام والعودة إلى تطبيق روح المواثيق الدولية التي تدعو إلى الحوار واحترام القيم الإنسانية.
لذلك، فإن رئيسة وزراء إيطاليا تدرك، كما غيرها، أن العالم يمر بأخطر المراحل، وأن العام 2026 سيكون أسوأ من العام الحالي، فالحرب الأوكرانية تستعد لدخول العام الرابع من دون أن يبدو في الأفق حلاً يُعتدُّ به ويبني سلاماً حقيقياً بين روسيا وأوكرانيا، ويمنع حرباً غير مستبعدة بين روسيا وأوروبا، بما تحمله من ويلات وكوارث إذا وقعت، في حال أصّرت «القارة العجوز» على التمسك بالحرب وتحقيق «هزيمة استراتيجية» لموسكو.
كما أن الصراع الاقتصادي والتقني بين بكين وواشنطن قد لا تلجمه اللقاءات الثنائية بين الزعيم الصيني والرئيس الأمريكي، وقد يتحول إلى صراع مفتوح حول تايوان أو الخروج على الاتفاقات بين البلدين، إضافة إلى احتمال تصاعد الخلاف بين دول المحيط الهادئ حول بحر الصين الجنوبي.كذلك، فإن الحصار الأمريكي البحري والجوي لفنزويلا والتهديد بغزوها قد يتحول إلى حرب في البحر الكاريبي، قد تجرّ معها دولاً أخرى، وقد لا يبقى الخلاف الحالي عبر الأطلسي بين أوروبا والولايات المتحدة على حاله من «حرب باردة» من خلال المواقف السياسية والاقتصادية والأمنية المتعارضة، وقد تسوء أكثر، إضافة إلى الاشتباكات بين كمبوديا وتايلاند، والاشتباكات المتقطعة بين باكستان والهند.
أما الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، فقصة أخرى، وهي تأخذ شكل الصراع الوجودي بين الحق والباطل الذي يحاول التمدد وسلب الحقوق بالقوة المسلحة، وفرض أمر واقع على الفلسطينيين وكل المنطقة، تكون فيه إسرائيل السيدة المطلقة التي تفرض وجودها وسلطانها وقرارها، بما تملكه من قوة متفوقة، وترسم خريطة المنطقة بما يتناسب مع أيديولوجيتها الدينية المتطرفة، ويجاهر بها قادتها.
هذه بعض تحديات العام المقبل، وما تحمله من مخاطر.. لكن التمسك بالأمل والرجاء يبقى حاضراً، لأنهما النافذة الصغيرة التي مهما صغر حجمها، لكنها تفتح آفاقاً واسعة للسلام.