عبد الإله بلقزيز

يأخذ التّسلّط الاجتماعيّ في مجتمعات اليوم، شرقاً وغرباً، صوراً وأنماطاً متعدّدة لمصادرة حقوق أقسام من المجتمع متعدّدة تفيض عن مجرّد الاستحواذ على قيمة العمل الإنسانيّ، وعن فرض السُّخرة على الفئات الأضعفِ موارد في المجتمع. البطريركيّة والذّكوريّة، مثلاً، من أنماط التّسلّط الاجتماعيّ ذاك، ومن أقدمها في تاريخ المجتمعات الإنسانيّة، حيث تعود جذورها إلى آلاف السّنين. ومع أنّ تحوُّلاتٍ شتّى طرأت على أنظمة الاجتماع الإنسانيّ، في العشرة آلاف عامٍ الماضية، فغيّرت في بنياتها الكثير- على ما تفيدنا بذلك دراساتٌ لا حصْر لها في التّاريخ الاجتماعيّ والأنثروبولوجيّ - إلاّ أنّها ما استطاعت أن تقوِّض أساسات تينك الظّاهرتين أو أن تحُدّ من آثار قيمهما في حياة الجماعات الإنسانيّة.
حتّى موجات التّحديث والحداثة التي اجتاحت العالم في القرنين الأخيرين لم تُحْدِث أثراً في السّلطة الاجتماعيّة الضّاربة للعلاقات البطريركيّة والذّكوريّة. قد تعدِّل فيها وتُكيّف، إلى حدّ، وهي فعلت شيئاً من ذلك من غير شكّ، لكنّه التّكييف الذي من شأنه أن يعيد إنتاجَ جوهر تلك العلاقات وأن يُبقيَ على آثارها الاجتماعيّة مستمرّةً حتّى وإنْ أحدثَ التّعديلَ السّطحيّ في الصُّور التي تتبدّى فيهما النّزعتان، الصّورُ التي قد تناسب أوضاعاً مستَجَدّة تحْمِل عليها أو تقتضيها نوعاً مّا من الاقتضاء.
البطريركيّة كناية عن النّظام الأبويّ أو نظام الأب الذي عُرِف، طويلاً، وطَبَع نظامَ الأسرة ونظامَ المجتمع، فلقد يكون صاحبُ السّلطة البطريركيّة أباً في أسرةٍ مطلَقَ السّيادة على أفرادها، وقد يكون وجيهاً من كبار السّنّ، كما قد يكون رأسَ جماعةٍ دينيّة كما في حالة بطاركة الكنائس وبابواتها...إلخ. صحيحٌ أنّ هذه السّلطة لم تكن نسويّة، لكنّ ذلك ليس يعني أنّها ذكوريّة: أي قائمة على أساس النّوع (الجندريّ)، بحيث يعود إلى هذه الذّكوريّة امتيازٌ يبرِّر قيام سلطة باسمها. إنّ مبنى هذه السّلطة البطريركيّة على الأبوّة - الماديّة والرّمزيّة - وعلى كَبْرَة السّنّ، التي بها يعلو المَقام، لا على الذّكورة بما هي مبدأ. بتعبير أدقّ: لا تشتقّ السّلطة البطريركيّة مشروعيّتَها من «تفوُّقٍ» طبيعيّ مزعوم للذّكور على الإناث، بل معتمدُها الرّئيس قيمُ المجتمعات التّقليديّة التي تُبجِّل الآباءَ والوجهاء وذوي الأسنان من كبار النّاس، وتُحِلُّهم محلّ أهل السّؤدد والسّيادة في قومهم أو أهلهم.
تختلف السّلطة الذّكوريّة عن البطريركيّة في كون النّظام الذّكوريّ قائم على فكرة التّفاوت في الاستعدادات وموارد القوّة البيولوجيّة والطّبيعيّة بين الرّجال والنّساء لصالح الأوّلين. وهي فكرة تعود جذورها إلى تقسيم العمل الذي قضى - بعد اكتشاف الزّراعة وبداية عهد الإنسان بالاستقرار - بتفرّغ الرّجال للعمل والقتال والقيام بالأعمال الشّاقّة مقابل انصراف النّساء للإنجاب وتربية الأولاد والعمل البيتيّ الجديد الذي يقتضيه الاستقرار. جرى التّقسيم ذاك مجْرى العادة ولم يكن مُدْرَكاً، حينها، بوصفه استجابةً لفارقٍ بيولوجيّ بين الجنسين، لكنّه تكرَّس مع الزّمن بما هو النّظامُ «الطّبيعيّ» للأشياء فكرَّس معه أحكامَ قيمةٍ نمطيّةً: نظرةَ استعلاءٍ من الرّجل ونظرةَ دونيّةٍ منه إلى المرأة.
هكذا تَرتَّب على ذلك أن صارت الذّكورة رأسمالاً اجتماعيّاً، وباتت ترتِّب تفاوُتاً في الحقوق بين الذّكور والإناث في المجتمعات كافّة وتتحوّل إلى معتقد دَخَل في نسيج الثّقافات الإنسانيّة كافّة: الأسطوريّة والفلسفيّة والدّينيّة ولم يُفْلِت من ذلك حتّى العلمُ نفسُه، إذْ لم تلبث نظريّات حديثة في علوم البيولوجيا أن عزّزت ذلك الاعتقاد القديم بتفوُّق الذّكور على الإناث، ف «أثبتت» ذلك التّفوّق على صعيد الاستعدادات الطّبيعيّة المتاحة لكلٍّ من الجنسين.
على أنّ الفارق في المَبْنى بين النّظامين البطريركيّ والذّكوريّ لم يَمنع من أن يقع تَمَفْصُلٌ بينهما في المعظم من التّاريخ حتّى أنّهما كثيراً ما بَدَوَا وكأنّهما نظامٌ واحد. والحقّ أنّهما تَعَاورا على إنتاج ضحايا اجتماعيّين كُثْراً لسلطتيْهما التي بدتْ في غاية القهر والقسوة. قطعاً كانتِ المرأةُ الضّحيّةَ الأولى والأعظمَ لنظام السّلطة الذّكوريّ، ولكنّ الرّجل ظلّ شريكاً لها في تَلقّي الأذى من نظام السّلطة البطريركيّ الذي لم يكن يفرِّق كثيراً بين ضحاياه على أساس الجنس، حتّى لا نقول إنّ أكثر قسوته كان ينْصبّ على الذّكور أكثر.

[email protected]