يتردد كثيراً أننا نعيش في عصر السرعة، ومن وجهة نظري أرى أننا بتنا في خضم السرعة المهولة، كأننا نعيش عصر التجاوز، حيث نتجاوز الفكرة قبل أن تنضج وتكتمل، ونتجاوز الفهم والتعلم، ونتجاوز التجربة والخبرة. كأننا في عصر تجاوز الإنسان وعيه، بتنا نسير ونهرول بدرجة تتجاوز فهمنا وقدرتنا على الاستيعاب.
والعيش في حالة أسرع من الوعي لا يعني النشاط، أو الطموح، بقدر ما يحمل معاني عدة منها أن الأحداث تسبق قدرة الإنسان على الاستيعاب والفهم، وأن القرارات التي تتخذ في العادة تتم قبل التفكير الدقيق والتأمل، وأن ردود الفعل تسبق الفهم. صحيح أن الحياة تمضي وتسير، وهناك البعض ممن يستمرون باللهاث خلفها ذهنياً وجسدياً، وبشكل غير منظم. وأمام مثل هذه الحالة يجب أن ندرك حقيقة هي أن الوعي بطبيعته بطيء، يفكر، يربط، يقارن، يتأمل، أما العالم الحديث الذي نعيشه فيمضي سريعاً تحت الضغط، الملاحقة، وهذا يُحدث فجوة بين ما نعيشه وما نفهمه.
على سبيل المثال، في البعض من مقار العمل والوظيفة، ينتقل الموظف من مهمة إلى أخرى دون أن يفهم أهمية كل مهمة، ونتائجها وأثرها، وفي كل مرة ينجز ويسلم المهمة يتم مطالبته بالمزيد، وقد اعتاد هذا الموظف على هذه الحالة، فلا يتوقف ويسأل: هل أضيف قيمة حقيقية؟ في العلاقات الاجتماعية نتعرف بسرعة، ونرتبط بسرعة، ونغضب بسرعة، وننتهي بسرعة، دون فهم عميق للذات ولا للآخر، فنخسر الناس ونسمي هذا نضجاً.
الحالة نفسها في جوانب أخرى من مفاصل الحياة، نقرأ خلالها العنوان لا الفكرة، نسمع الرأي لا الحجة، نشارك قبل الفهم، وهذه الحالة تجعلنا نعتقد أننا نعرف ونلم بالموضوع، والحقيقة مختلفة عن هذا تماماً. أما إذا رغبت في معرفة الإنسان الأسرع من وعيه، فهو المشغول دائماً، القلق بلا سبب واضح، وتعبه لا يزول بالراحة والنوم، ولديه شعور دائم بالاستعجال، وهو يخاف من التوقف والصمت، وقراراته متسرعة ويندم عليها. كأنه يعيش اللحظة لا يخطط للمستقبل بعمق وتروٍ.
هذه الحالة خطرة على الإنسان، على صحته النفسية والجسدية، فهو مستهلك، وقد أدخل نفسه في سباق خاسر، ولا قيمة له. والحل العودة إلى التوازن بين السرعة والوعي، فمن السيئ أن يعيش الإنسان ببطء، ولكن الأسوأ أن يعيش في سرعة لا يفهمها، ولا يستطيع مجاراتها، تنهكه وتهد قوته.
خفف عن نفسك، واستعد ذكاءك وحضورك، وأجب عن السؤال: هل أعيش حياتي، أم أركض فيها فقط؟

[email protected]