يسرا عادل

هناك أعوام تُغلق أبوابها مع نهايتها، وأعوام تترك وراءها أثراً عابراً، لكن التاريخ يعرف نوعاً آخر من السنين، سنوات لا تُقاس بما انتهت إليه، بل بما بدأتْه من تحوّلات لا يمكن الرجوع عنها. عام 1914 كان واحداً من هذه الأعوام. لم يكن الأوروبيون آنذاك يعتقدون أنهم يدخلون حرباً كونية، بل نزاعاً يمكن احتواؤه، تُديره التحالفات، وتحدّه الأعراف، وتُنهيه المفاوضات. ما لم يدركوه، أن النظام الذي وثقوا بعقلانيته، فإذا به هش إلى حد أن رصاصة أُطلقت على ولي عهد الإمبراطورية النمساوية المجرية في سراييفو كشفت، في لحظة واحدة، تصدعات نظام كامل كان يتوهم التماسك.

عام 2025 يشبه 1914 في جوهره لا في ظاهره. لم يبدأ بحرب واحدة، ولا بحدث صاعق، بل بسلسلة أزمات قيل إنها «قابلة للاحتواء»: حرب في أوكرانيا طال أمدها، عدوان في غزة قُدم بوصفه محدوداً، توترات بحرية في البحر الأحمر، سباق تسلّح هادئ في آسيا. لكن كما في 1914، لم تكن المشكلة في الأحداث، بل في النظام الذي لم يعد قادراً على احتوائها من دون أن يتآكل من الداخل. لم يكن العالم مستقراً في 2025، بل مؤجل الانفجار، يُدار بالترقيع لا بالحلول.

في 1914، سقط وهم أن التوازنات وحدها تكفي لمنع الانهيار. وفي 2025، سقط وهم أن أحادية القطب قادرة على إدارة عالم متشظ. لم يُعلِن أحد نهاية هذا القطب، لكن الوقائع قالتها بوضوح: الولايات المتحدة، رغم قوتها العسكرية والاقتصادية، عجزت عن فرض نهاية للحرب في أوكرانيا، وفشلت في غزة في فرض وقف نار أو حتى صياغة رواية تحظى بإجماع دولي، فيما كانت الصين تمدد نفوذها الاقتصادي بهدوء محسوب، لا لتقود العالم، بل لتؤكد أن العالم لم يعد ينتظر قائداً واحداً.

وكما كان 1914 إيذاناً بانتهاء أوروبا القديمة، كان عام 1989 إعلاناً لانهيار الروايات التي قسّمت العالم طوال عقود. سقوط جدار برلين لم يكن حدثاً هندسياً، بل لحظة أخلاقية: لحظة فقد فيها الجدار مبرر وجوده، لأن أحداً لم يعد يؤمن بالقصة التي تحمله. لم يسقط الجدار بالقوة، بل بالفراغ.

في 2025، لم يسقط جدار مادي، لكن سقطت جدران أخطر. سقط الادعاء الغربي باحتكار القيم، وسقطت ثنائية «نحن النظام وهم الفوضى»، وسقط وهم القانون الدولي المحايد. لم تكن مشاهد غزة مجرد مأساة إنسانية، بل لحظة تعرية أخلاقية، لحظة لم تعد فيها الأقنعة قادرة على الثبات. لغة حقوق الإنسان استُحضرت بانتقائية، والقتل صار دفاعاً عن النفس، والحصار أداة ضغط، والمدني رقماً قابلاً للتجاوز. كما فقد الجدار شرعيته قبل أن يسقط، فقد الخطاب الغربي شرعيته قبل أن يُواجَه.

ثم جاء عام 2001 ليغير أدوات السياسة لا جوهرها، حين كشفت هجمات الحادي عشر من سبتمبر هشاشة القوة أمام الصدمة، فاستُبدلت لغة السياسة بلغة الأمن، وأعيد تعريف العدو وحدود التدخل، ونشأت دولة علقت القيم باسم بقاء الدولة نفسها.

في 2025، لم يعد الأمن أولوية، بل اللغة الوحيدة المتبقية. عادت قوانين الطوارئ إلى قلب أوروبا، توسعت المراقبة الرقمية باسم الوقاية، وأُعيد تعريف اللاجئ بوصفه تهديداً لا ضحية.

وبينما كانت الدول تتجادل حول القيم والشرعية، كان فاعل آخر يتمدد بصمت: رأس مال عابر للحدود، شركات تقنية لا ترفع أعلاماً، ومنصات تملك البيانات أكثر مما تملك الدول القرار. في هذا السياق، لم يكن صعود الذكاء الاصطناعي، والعودة إلى الذهب، والاندفاع نحو العملات البديلة سوى تعبير آخر عن عالم فقد ثقته بالوسيط، وبات يبحث عن قوة بلا وجه، وقيمة بلا دولة، وأمان خارج النظام.

ومع صعود القلق، فقدت السياسة لغتها الإنسانية. لم نعد نسمع عن السلام، بل عن إدارة النزاع. لم نعد نقرأ عن شعوب، بل عن ملفات. اللغة لم تعد وسيلة تفسير، بل أداة إخفاء، وحين تفقد السياسة لغتها، تفقد قدرتها على الإقناع، وتتحول إلى إدارة باردة للأذى.

في نهاية 2025، بدا المشهد واضحاً لمن أراد أن يرى. الرابحون لم يكونوا أولئك الذين تحدثوا عن القيم، بل من أداروا مصالحهم ببرود، ومن فهموا أن الصمت أحياناً أكثر فاعلية من الخطابة. أما الخاسرون، فكانوا أصحاب الخطاب الأخلاقي الانتقائي، والسياسة التقليدية التي افترضت أن الشعوب لا ترى ولا تحفظ الذاكرة، وفكرة النظام الدولي كما عرفناه بعد الحرب العالمية الثانية.

لم يخلق عام 2025 عالماً جديداً، لكنه أنهى عالماً كان يتظاهر بالتماسك. وربما كان أخطر ما كشفه هذا العام ليس سقوط الأقنعة وحده، بل اعتيادنا النظر إليها وهي تسقط، من دون أن نغيّر مقاعدنا.

[email protected]