الشارقة: «الخليج»

لم يكن العام 2025 عادياً في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ شهد تحولات سياسية كبرى مع تولي دونالد ترامب رئاسته الثانية، وتحديات اقتصادية مستمرة أبرزها التضخم الذي ظل مرتفعاً باستمرار، كما عانت البلاد أزمات سياسية وتوترات مع الخارج، وضربتها كوارث طبيعية، ومع عودته إلى البيت الأبيض اتخذ ترامب، مجموعة إجراءات تتوافق مع عقيدته «أمريكا أولاً»، لكنها أدخلته في صراعات داخلية بلا نهاية.

كانت عودة ترامب المدوية إلى البيت الأبيض في العشرين من يناير 2025، كثاني رئيس في تاريخ الولايات المتحدة يخدم فترتين غير متتاليتين، إذ لم يحدث ذلك سوى رئيس أمريكي واحد من قبل هو غروفر كليفلاند الذي أصبح الرئيس الرابع والعشرين للولايات المتحدة، في الفترة من عام 1893 إلى عام1897، وتم تنصيب ترامب ليكون الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة، وأدى تنصيبه إلى تحول كبير في السياسات الداخلية والخارجية، ورافق التنصيب احتجاجات واسعة النطاق في مدن رئيسية مثل واشنطن ونيويورك، مما عكس الانقسامات الداخلية العميقة في البلاد.

تحول السياسي ومراسيم بالجملة

بدأ ترامب ولايته بتوقيع سلسة من الأوامر التنفيذية شملت قضايا الهجرة والاقتصاد والمساواة والعفو الجنائي وغيرها، وألغى في يومه الأول في الرئاسة 78 أمراً تنفيذياً وقعها سلفه الديمقراطي جو بايدن، ووفاءً بأحد وعوده خلال حملته الانتخابية، أصدر ترامب عفواً عن جميع المتهمين بهجوم عام 2021 على مبنى الكابيتول والبالغ عددهم نحو 1583.

ومنذ اليوم الأول، دخل ترامب في سلسلة معارك مع الديمقراطيين وحكام الولايات والمحاكم ووسائل الإعلام، وشكلت قراراته إرسال قوات الحرس الوطني إلى عدة مدن رئيسية يقودها ديمقراطيون تحدياً للحقوق الأساسية التي كفلها الدستور، وحاول استخدام صلاحياته الرئاسية لنشر هذه القوة في عدة مدن وولايات أمريكية، مثل لوس أنجلوس وشيكاغو وبورتلاند ونيو أورلينز، في إجراءات قوبلت بتحديات قانونية ورفض قضائي، وفي أكتوبر 2025، أصدر ترامب أمراً بتفعيل 300 عنصر من الحرس الوطني في إلينوي لحماية الأفراد والممتلكات الفيدرالية في منطقة شيكاغو، مستشهداً بقانون التمرد لعام 1807، إلا أن القضاء الفيدرالي أصدر أمراً تقييدياً مؤقتاً بمنع النشر، وفي 24 ديسمبر 2025، رفضت المحكمة العليا الأمريكية طلب الإدارة بالسماح بنشر القوات، معتبرة أن الحكومة فشلت في تحديد مصدر السلطة الذي يسمح للجيش بتنفيذ القوانين في إلينوي.

تقليص أدوات القوة الناعمة

وفي خضم هذه السياسة، شهد عام 2025 تقليصاً كبيراً في أدوات القوة الناعمة الأمريكية، حيث تم تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في وقت مبكر من العام، وتسريح المئات من موظفي وزارة الخارجية بهدف «تفكيك الدولة الإدارية»، مما يفتح الباب أمام استبدالهم بولاءات سياسية، وانسحبت واشنطن من المزيد من الاتفاقيات الدولية وقلصت التمويل للمنظمات العالمية، بما في ذلك الأمم المتحدة، حيث وصف ترامب هذه المؤسسات ب«الشمولية». كما أصدر ترامب أوامر تنفيذية تهدف إلى إنهاء برامج التنوع والمساواة والشمول في الحكومة الفيدرالية واستعادة «الحقيقة البيولوجية» في الحكومة، كما أُعيد العمل ب«قاعدة مدينة مكسيكو» التي تحظر التمويل الفيدرالي للمنظمات الدولية التي تقدم خدمات الإجهاض أو المشورة بشأنه.

ابتعاد عن الشرق الأوسط

وفي نهاية الأسبوع الأول من شهر ديسمبر الجاري، وعام 2025 يحمل عصاه ويرتحل، أعلنت إدارة ترامب استراتيجية جديدة للأمن القومي، تقوم على تحوّل جذري في سياسة الولايات المتحدة الخارجية تنقل تركيز القوة العظمى من الساحة العالمية إلى الجوار الإقليمي، وحذرت تلك الوثيقة من زوال الحضارة الأوروبية، وأعلنت رسمياً «تحديث مبدأ مونرو الذي يبلغ عمره 200 عام»، وإطلاق ما سمته «ملحق ترمب لمبدأ مونرو»، الذي ينصّ على اتّباع مبدأ السلام من خلال القوة.

وتتضمن الوثيقة المكونة من 33 صفحة استراتيجية الأمن القومي التي دعت صراحة الدول الأوروبية إلى تحمل «المسؤولية الأساسية» عن دفاعها الخاص، مشيرة إلى أن واشنطن لن تضمن أمن أوروبا بعد الآن، كما وصفت الوثيقة الاتحاد الأوروبي بأنه يمارس أنشطة تقوض الحرية السياسية والسيادة الوطنية، وانتقدت سياسات الهجرة الأوروبية، وذهبت إلى حد الحديث عن «محو حضاري» يهدد أوروبا.

وبالإجمال، أعادت الاستراتيجية الجديدة توجيه الموارد العسكرية والدبلوماسية بشكل كبير بعيداً عن الشرق الأوسط، وركّزت بدرجة أقل على إفريقيا.

اتجاه نحو أمريكا اللاتينية

وبناءً على الوثيقة، تم تحديد رؤية خارجة عن المألوف للعالم، تتصدّر أمريكا اللاتينية أجندة الولايات المتحدة في تحوّل جذري عن دعوتها تاريخياً للتركيز على آسيا في مواجهة صعود الصين، مع تسجيل تراجع كبير في اهتمام الإدارة الحالية بالشرق الأوسط.

وقال ترامب في تمهيد للوثيقة: «في كل ما نفعله، نضع أمريكا أولاً»، وفي قطيعة مع عقود من المساعي الرامية إلى الانفراد بموقع القوة العظمى، تؤكد الاستراتيجية أن (الولايات المتحدة ترفض أن تنتهج بنفسها المبدأ المشؤوم للهيمنة على العالم)، تم التأكيد على «تفوق أمريكا» في الأمريكتين، مع التركيز على مكافحة الهجرة الجماعية وعصابات المخدرات، بما في ذلك استخدام القوة وتصنيف مادة الفنتانيل المخدرة سلاح دمار شاملاً، وقد وضعت هذه السياسة واشنطن على شفا حرب مع فنزويلا، التي فرض عليها ترامب حصاراً بحرياً يستهدف «السفن الخاضعة للعقوبات»، ودعا رئيسها نيكولاس مادورو للتنحي، وهو ما قوبل بالرفض الفنزويلي وباتهام روسي/صيني للولايات المتحدة بالتنمر وممارسة سلوك (رعاة البقر).

شد وجذب مع روسيا

في عام 2025 هيمنت الحرب في أوكرانيا على العلاقة بين واشنطن وموسكو، حيث تراوحت سياسة ترامب بين محاولات التهدئة والتهديد بالعقوبات وبين «شد وجذب» حيث ركزت الجهود الأمريكية على إنهاء الحرب في أوكرانيا من خلال قمم دبلوماسية مكثفة، أبرزها قمم الرياض وألاسكا، حيث سعت واشنطن (تحت إدارة ترامب) إلى التفاوض وإعادة تشكيل السياسة، بينما تمسكت موسكو بأهدافها، مما أدى إلى تقلبات مع محاولة إيجاد أرضية مشتركة في قضايا مثل الطاقة والأمن، لكن دون إحراز اختراق جوهري في العلاقات الثنائية المعقدة.

الصين ليست تهديداً وجودياً

وبالنسبة إلى العلاقة مع الصين، فقد اتسمت بالديناميكية المعقدة، مع تصاعد التنافس في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد مع محاولات لتحقيق استقرار عبر اتفاقيات تجارية تكتيكية وتواصل دبلوماسي، خاصة بعد اجتماع بوسان بين ترامب والرئيس شي جين بينغ، ومع ذلك استمر التوتر الجيوسياسي وسباق الهيمنة في الذكاء الاصطناعي، الذي بات يمثل جبهة أساسية وقد يغير شكل القوة العالمية في المستقبل، حيث تسعى الدولتان للتحكم في هذه التكنولوجيا، كما أن تقليل الصين لاعتمادها على الدولار في التجارة العالمية يخلق تحديات إضافية أمام الولايات المتحدة، ويبقى التحدي الرئيسي هو إدارة هذا التنافس ومنع الانزلاق نحو صراع مفتوح، مع استمرار السباق على النفوذ العالمي عبر التجارة، والتكنولوجيا والطاقة. وكررت الاستراتيجية الأمنية الدعوة لتكون منطقة آسيا والمحيط الهادئ «حرة ومفتوحة» مع التركيز على بكين منافساً اقتصادياً في المقام الأول، وعلى عكس كل استراتيجيات الأمن القومي منذ إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، لم تُدرج الوثيقة الصين ك«تهديد وجودي»، بل ك«منافس اقتصادي شرس».

ترامب يتحرك ضد «الإخوان» لتجفيف موارد الإرهاب

وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في أواخر نوفمبر الماضي، أمراً تنفيذياً طال انتظاره يقضي بتصنيف فروع محددة من جماعة الإخوان المسلمين ك«منظمات إرهابية أجنبية». ويستهدف الأمر بشكل خاص فروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان، وبرر البيت الأبيض قراره بضرورة مواجهة الشبكة العابرة للحدود للإخوان التي تُغذي الإرهاب وحملات زعزعة الاستقرار ضد المصالح الأمريكية وحلفائها في الشرق الأوسط.

ووفق صحيفة «واشنطن بوست» سيمنح التصنيف الولايات المتحدة صلاحيات واسعة تشمل استهداف التمويلات الأمريكية للجماعة، وجمع معلومات استخباراتية عسكرية، ومقاضاة الأفراد المتهمين بتقديم دعم مادي للفروع المصنفة إرهابياً.

ويعكس هذا القرار موقف ترامب المتشدد تجاه جماعة الإخوان الإرهابية، التي كان يسعى لتصنيفها كمنظمة إرهابية منذ فترة طويلة. كما يهدف إلى القضاء على قدرات وعمليات الفروع المصنفة، ومنعها من الوصول إلى الموارد، وإنهاء أي تهديد قد تشكله هذه الفروع على المواطنين الأمريكيين والأمن القومي للولايات المتحدة.

ولطالما دعا الجمهوريون وأصوات يمينية إلى تصنيف «الإخوان» جماعة إرهابية. وبذل ترامب جهوداً مماثلة خلال فترة ولايته الأولى، وبعد أشهر من بدء ولايته الثانية، قال وزير الخارجية روبيو: إن إدارة ترامب تعمل على تصنيف الحركة منظمة إرهابية.

واتخذت بعض الولايات الأمريكية، مثل تكساس وفلوريدا، خطواتها الخاصة على المستوى المحلي لتصنيف الجماعة وبعض واجهاتها، مثل مجلس العلاقات الأمريكية-الإسلامية (كير)، كمنظمات إرهابية أو إجرامية عابرة للحدود.

وفي حال تطبيق الأمر الفيدرالي، فستتم مصادرة الأموال الموجودة في الولايات المتحدة، المرتبطة بالفروع التي ستصنف كإرهابية. وإضافة إلى الجانب المالي ستتم محاكمة أعضائها بتهمة الانتماء إلى منظمة إرهابية.

تشديد سياسات الهجرة.. وتعليق «غرين كارد»

بدأ الرئيس دونالد ترامب بفرض سياسات هجرة أكثر صرامة مع تطبيق أكثر تشدداً، ويستعد لتوسيع حملته في عام 2026 بإضافة تمويلات جديدة تصل لمليارات الدولارات وتتضمن مداهمة المزيد من مواقع العمل، حتى مع تعالي الأصوات المعارضة قبيل انتخابات التجديد النصفي العام المقبل. وقامت إدارة الهجرة بحملات اعتقال واسعة استهدفت المقيمين غير النظاميين، بمن فيهم أولئك الذين لا يملكون سجلات جنائية.

ولم تعد المداهمات مقتصرة على الحدود والمنافذ الرسمية، بل امتدت إلى عمق المدن والأحياء، والمدارس والمستشفيات وداخل أروقة المحاكم، ما نشر حالة من الذعر داخل الجاليات المهاجرة دفعت كثيرين إلى العيش في عزلة خوفاً من التوقيف والترحيل.

وستحصل وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك ودوريات الحدود على تمويل إضافي قدره 170 مليار دولار حتى سبتمبر 2029، وهي زيادة هائلة في التمويل عن ميزانياتها السنوية الحالية التي تبلغ نحو 19 مليار دولار وذلك ‍بعدما أقر الكونغرس حزمة إنفاق ضخمة في يوليو.

ويقول مسؤولو الإدارة الأمريكية إنهم يخططون ‍لتوظيف آلاف الموظفين الإضافيين وفتح مراكز احتجاز جديدة وحجز المزيد من المهاجرين في سجون محلية وإقامة شراكات مع شركات خارجية لتعقب الأشخاص المتواجدين بالبلاد على نحو غير قانوني.

وفي تطور آخر، علّق ترامب مؤقتاً، برنامج قرعة الإقامة الدائمة «غرين كارد»، الذي مكّن المشتبه فيه في حادثتَي إطلاق النار بجامعة براون ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا من دخول الولايات المتحدة، ومع هذا التحول، باتت قضية الهجرة تتجاوز فكرة «ضبط الحدود» لتلامس جوهر المواطنة: من هو الأمريكي؟ ومن يملك حق البقاء والمشاركة؟ وبرزت مخاوف من عسكرة إدارة الهجرة وتحويلها إلى أداة ضبط داخلي، أكثر منها سياسة تنظيمية تستند إلى معايير قانونية واضحة وعادلة.