رسم عام 2025 بداية منعرج حاسم في مسار الاتحاد الأوروبي الذي اتسم بتحولات سياسية وأمنية واقتصادية عميقة، شكلت اختباراً لقدرة القارة على الصمود في بيئة دولية متقلبة وحشرها في مأزق بين سندان روسي ومطرقة أمريكية وكابوس صيني. كما واجهت القارة العجوز العديد من الأزمات الداخلية والخارجية على رأسها قضايا الهجرة، والتصعيد العسكري في أوكرانيا، والضغط على وحدة الاتحاد الأوروبي في ظل استمرار صعود تيارات قومية وشعبوية بدأت تثير اختلافات بين الدول الأعضاء، التي تشهد تبايناً في المواقف بشأن عدة قضايا أساسية مثل المهاجرين، حقوق الإنسان، التنوع الثقافي، الاقتصاد، والبيئة، فيما وضعت السياسات الأمريكية الاتحاد الأوروبي تحت ضغط هائل دفعه، لإعادة النظر في تحالفاته الاقتصادية واعتماده على الولايات المتحدة.
أكبر شاغل للأوروبيين في العام المنصرم، كان الأمن في ظل مخاوف وعدم ثقة في المستقبل، وهو ما دفع إلى محاولة تبني سياسات جديدة تهدف إلى تعزيز القدرات الدفاعية للاتحاد الأوروبي، وتقليل اعتماده على الولايات المتحدة، في ظل الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التهديدات والهجمات السيبرانية. ومع دخول 2026، تبرز الحاجة إلى بناء «أوروبا أكثر استقلالية» قادرة على مواجهة التحديات العالمية من دون التفريط بتماسكها الداخلي.
وضمن هذا التوجه شهد التكتل، على مدى الأشهر القليلة الماضية، تقدماً في ملفات دفاعية رئيسية، إذ طرح مشروعات جديدة وضاعفت دول عدة، مثل ألمانيا وفرنسا وكذلك بريطانيا (من خارج التكتل)، موازناتها الدفاعية وعرضت خططاً طموحة للعسكرة واقتصاد الحرب. ففي أكتوبر الماضي، اتفق قادة الاتحاد على تشكيل تحالفات لسد تسع فجوات في القدرات الدفاعية، حددتها ورقة بيضاء للمفوضية الأوروبية. ووفق دراسة للمركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب والاستخبارات، تعهدت عواصم أوروبية، مثل باريس وبرلين وروما ووارسو، بإطلاق مشروعات ملموسة لمعالجة فجوات القدرات خلال النصف الأول من عام 2026. ومن الواضح أن السباق الأوروبي نحو التسلح، يتصل بالمتغيرات السريعة في العالم جراء الحرب في أوكرانيا، وتراجع الدعم الأمريكي، وصعود قوى دولية واعدة، ما أثر في المزاج العام وأنتج تيارات سياسية وفكرية ذات توجهات غير تقليدية في العرف الأوروبي الحديث.

التحولات السياسية
بعد انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2024، حققت الأحزاب اليمينية المتطرفة والمناهضة للاتحاد مكاسب كبيرة في عدد المقاعد، ما قد يجعل عملية تمرير التشريعات واتخاذ القرارات داخل الاتحاد أكثر صعوبة. وقد وجهت النتائج ضربة قوية لبعض القادة الأوروبيين على المستوى الداخلي، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني السابق أولاف شولتس، الذي خسر انتخابات العام الماضي وخلفه في المستشارية فريديش ميرتس من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وقد أثارت مثل هذه المستجدات تساؤلات حول كيفية توجيه السياسة داخل التكتل.
وجاءت رئاسة بولندا لمجلس الاتحاد في النصف الثاني من 2025 تحت شعار «الأمن، أوروبا» لتعكس أولوية ملفات الأمن والدفاع في أجندة الاتحاد داخل بيئة دولية مضطربة.
وشهدت القارة توسيع فضاء شنغن بانضمام بلغاريا ورومانيا، ما يعكس ثقة الاتحاد بمستوى التنسيق الأمني والاقتصادي بين الدول الأعضاء. وفي الوقت نفسه، سلطت الانتخابات المبكرة في ألمانيا والاستحقاقات الرئاسية في بولندا ورومانيا الضوء على الانقسامات السياسية المستمرة وصعود اليمين المتطرف.
اليمين المتطرف
وشكلت الأحزاب اليمينية المتطرفة محور ضغط سياسي مستمر، سواء عبر تشديد سياسات الهجرة أو عرقلة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية. وأدى صعود هذه القوى إلى إعادة رسم التوازن السياسي في البرلمانات، ما أجبر الأحزاب الوسطية على تبني سياسات أكثر تشدداً، لتجنب فقدان قاعدة كبيرة من الناخبين.
إلى جانب تأثيرها السياسي، يشكل اليمين المتطرف تهديداً للنسيج الاجتماعي الأوروبي من خلال زيادة الجرائم العنصرية واستغلال المخاوف الثقافية والدينية، لتعزيز خطاب الهوية القومية، ما يزيد من الانقسامات الداخلية ويضعف قدرة الاتحاد على اتخاذ قرارات استراتيجية موحدة. على الرغم من هذا التقدم، لا تزال الأحزاب الوسطية والليبرالية والديمقراطية الاجتماعية تحتفظ بالأغلبية الإجمالية في البرلمان الأوروبي، ما يحد نظرياً من قدرة اليمين المتطرف على السيطرة الكاملة على الأجندة التشريعية. ومع ذلك، فإن قوتهم المتزايدة تمنحهم نفوذاً أكبر في تشكيل النقاشات والتوجهات المستقبلية للاتحاد.

التحديات الأمنية
ظلت الحرب الروسية مع أوكرانيا التحدي الأكبر لأمن أوروبا، حيث شكلت الحرب اختباراً حقيقياً لقدرة الاتحاد على الحفاظ على الدعم المالي والعسكري والدبلوماسي لأوكرانيا، من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع روسيا.
وفي الداخل الأوروبي، تصاعد الاهتمام بتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، بما في ذلك اعتماد أدوات مالية جديدة، لتسريع المشتريات العسكرية المشتركة، ما يعكس إدراك الاتحاد الحاجة إلى تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.
كذلك، برزت الهجمات السيبرانية والهجينة كتهديدات كبيرة للبنية التحتية الحيوية، فيما استمرت التهديدات الإرهابية كهاجس دائم، مع ملاحظة تزايد تجنيد القاصرين والشباب عبر وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي، ما يعكس كيف تتقاطع التحديات الأمنية مع التحولات الرقمية والاجتماعية.
ويشكل تزايد أعداد اللاجئين والمهاجرين تحدياً أمنياً كبيراً لأوروبا، إذ يتطلب توفير الحماية الإنسانية والمعالجة القانونية لآلاف الأشخاص الذين يصلون بشكل مستمر. وفي ظل المخاوف من تسلل عناصر إرهابية أو متطرفين بين هؤلاء اللاجئين، يبقى الأمن الداخلي للدول الأوروبية موضوعاً حساساً يتطلب تنسيقاً متواصلاً بين الحكومات الأوروبية والوكالات الأمنية.
وتعد الهجرة مصدراً إضافياً للتوترات الاجتماعية والثقافية في العديد من الدول الأوروبية. فالتنوع الثقافي الناتج عن تدفق اللاجئين من مناطق مختلفة، يتحدى الهويات الوطنية والتقاليد المحلية. كما أن هناك قلقاً متزايداً في بعض الأوساط اليمينية من تأثير الهجرة على الهوية الثقافية الأوروبية، سواء من حيث القيم أو العادات أو اللغة. ومن الواضح أن هذه التحديات قد وضعت على المحك قدرة أوروبا على دمج المهاجرين بشكل فعال، وتحقيق التوازن بين التنوع الثقافي والحفاظ على الهوية الوطنية، وسط أصوات متزايدة تطالب بإعادة المهاجرين واللاجئين إلى بلدانهم.

لحظة فارقة مع واشنطن
ينتهي عام 2025 والعلاقات الأوروبية تعيش حالة توتر استراتيجي غير مسبوقة، في ظل مواقف متباينة بعد سلسلة من القرارات والمواقف التي تبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقلبت الشراكة التقليدية القائمة على التحالف والتنسيق إلى خصومة وجفاء، وأصبحت بروكسل تواجه خطاباً أمريكيا أكثر حدة، يضع المصالح الأمريكية في المقام الأول حتى على حساب الحلفاء.
بعض سياسيات ترامب ضربت أوروبا في الصميم، وبعد حرب الرسوم الجمركية والضغط للمساهمة في تمويل حلف «الناتو»، وصل تهديد الإدارة الجمهورية الجديدة إلى جزيرة غرينلاند، تلك الجزيرة الشاسعة وغزيرة الموارد التابعة للدنمارك، إذ يطالب ترامب بضمها إلى الولايات المتحدة ويمارس في سبيل ذلك ضغوطاً غير مألوفة، ما أثار صدمة في الداخل الأوروبي ومع الصدمة بدا التساؤل حول حدود الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا وبالمعاهدات والمواثيق التي تربط الجانبين.
ومن آخر مصادر القلق والإزعاج هذا الشهر، فرضت إدارة ترامب عقوبات على شخصيات أوروبية، وقد أثار هذا التصرف حالة من الاستياء داخل العواصم الأوروبية، التي رأت في هذه الإجراءات استخداماً لأدوات الضغط السياسي بطريقة تُضعف الثقة المتبادلة وتكشف هشاشة التوازن داخل التحالف الغربي، مثلما ذكرت صحيفة «الباييس» الإسبانية. أما الاستراتيجية الأمنية الجديدة للبيت الأبيض فقد زادت من شدة المخاوف، بعدما أعادت تعريف أولويات الأمن الدولي بطريقة لا تمنح أوروبا الدور المركزي الذي اعتادت عليه، ومع استمرار الحرب في أوكرانيا والتوتر على حدود الاتحاد الشرقية، يزداد القلق من الاعتماد المفرط على المظلة الأمريكية.
ورغم محاولات احتواء التصعيد عبر الحوار، تدرك أوروبا أنها تقف عند مفترق طرق، فبين الدعوات إلى تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية والتمسك بالعلاقة التقليدية مع واشنطن، بدأت تتشكل أفكار جديدة في الضفة الشرقية للمحيط الأطلسي مفادها بأن عصر الاعتماد على الضفة الغربية قد انطلق، وأن الخيار الأسلم في الانفصال التدريجي عن الحليف الأمريكي الذي لم يعد يؤتمن جانبه.

آفاق 2026
على نتيجة ما وصلت إليه العلاقة عبر الأطلسي، يدخل الاتحاد الأوروبي العام 2026، وهو يواجه أزمة وجودية متعددة الأبعاد، لا تقتصر على ضغط خارجي واحد، كالحرب الروسية الأوكرانية أو سياسات إدارة ترامب، بل تجمع أيضاً بين تحديات سياسية بنيوية، وركود اقتصادي حاد، وضعف عسكري متزايد، واختلال ديمغرافي خطير، وأزمة أخلاقية تقوض شرعية المشروع ذاته. كما سيكون هذا العام اختباراً لقدرة الاتحاد الأوروبي على معالجة نقاط ضعفه الاستراتيجية. ورغم استمرار التحديات الهيكلية في مؤسسات الاتحاد واستقرار الدول الأعضاء، ستحاول، مجتمعة، إيجاد حلول لكثير من التحديات مثل التراجع الديمغرافي والمنافسة الصينية وارتفاع تكاليف الطاقة. ومع ذلك، ستتقدم ملفات الدفاع والسيادة الاقتصادية على جدول الأولويات، مع تعزيز دعم أوكرانيا، ووضع حلول ومبادرات دفاعية لمواجهة الهجمات السيبرانية والطائرات المسيرّة، وتبسيط التشريعات لتخفيف الأعباء البيروقراطية. ورغم التقلبات الجيوسياسية، تسعى أوروبا إلى ترسيخ استقلاليتها وقدرتها على الصمود، مع الحفاظ على وحدة الاتحاد ومواجهة تحديات الداخل والخارج بواقعية وحصافة.
العلاقة مع الصين.. ثقة سياسية غير مكتملة
تواصل أوروبا تعاملها مع الصين كمنافس نظامي وشريك اقتصادي في الوقت ذاته، مع محاولة تقليل المخاطر المرتبطة بالتبعية الاقتصادية والسيبرانية، مع الحفاظ على قنوات الحوار والتعاون في القضايا العالمية مثل المناخ والتجارة، لكن العلاقة بين الطرفين تبقى معقدة ومتعددة الأوجه، فهي شراكة تجارية ضخمة حيث يعدان من أكبر الشركاء التجاريين لبعضهما البعض، لكنها تتسم أيضاً بالمنافسة الشديدة (مُنافس منهجي) بسبب الاختلالات التجارية، ودعم الصين لروسيا، وتحديات حقوق الإنسان، وتنافس تكنولوجي (مثل أشباه الموصلات)، ما دفع أوروبا إلى البحث عن استقلال استراتيجي عبر شراكات جديدة وتدابير لتقليل الاعتماد على الصين في المواد الاستراتيجية، مع استمرار قمة سنوية للتباحث في القضايا السياسية والاقتصادية. ولا يزال موقف الصين الغامض من الحرب في أوكرانيا، والتوترات في مضيق تايوان، تشكل نقاط خلاف رئيسية وتعوق استعادة الثقة السياسية الكاملة.
وفي خضم النقاش المحتدم حول النظام العالمي الجديد، تتقارب الرؤيتان الأمريكية والأوروبية في تحديد «التهديدين الصيني والروسي». ولكن في ظل سياسة الانعزال التي ينتهجها ترامب، يواجه الأوروبيون تسارعاً للتاريخ ودوراً متعاظماً للصين في الصراعات المتشابكة حول العالم، ويتطلب ذلك بلورة استراتيجية أوروبية ديناميكية وقادرة على مواكبة المتغيرات. وبالنسبة للاتحاد الأوروبي تحديداً، فإن الصين ترى أنه لا توجد بينهما تناقضات استراتيجية وجيوسياسية، كما أنه لا يوجد تضارب كبير في المصالح، والأهم من ذلك أن المشترك من المصالح يحد من الخلافات. وتواصل الصين القول باعتقادها إن قوة كل طرف بمثابة مصلحة أساسية للطرف الآخر.
تهديد المسيّرات يثير قلق القارة العجوز
عرفت أوروبا، خلال عام 2025، حوادث غير مألوفة ضاعفت من القلق الأمني، مع تصاعد تهــــديدات متنامـــــية باستخدام الطائرات المسيرة ضد مـــــواقع نووية ومنشآت عسكرية حساسة ومطارات داخل عدد من الدول الأوروبـــــية، منها بلجيكا وهـــــــولندا وأيرلندا ولاتفيا وبولندا، وهي حالة أمنية لا تواجه فـــــيها القارة العجوز تهديداً تقليدياً، بل عدو صغير الحجم، سريع الحركة، وقادر على إحداث فوضى كبرى.
ويمثل هذا التهديد تحدياً خطيراً في هذه المرحلة، واتسع نطاقه مع طول أمد الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وتكمن الخطورة في أن هذا التهديد، بحسب خبراء، منخفض الكلفة وعالى الخطورة، حيث يمكن استخدام الطائرات المسيرة في الاستطلاع وجمع المعلومات الدقيقة، واختراق المجال الجوى للمواقع الحساسة، وتعطيل أنظمة المراقبة والطاقة، وتنفيذ هجمات تخريبية دون الحاجة إلى وجود بشري، وهو ما يجعلها أداة مثالية في الحروب الهجينة التي تخشاها أوروبا بشدة.
وحذر عدد من الخبراء من أن هذا التهديد سيستمر ويتعاظم، إذا لم تسارع الدول الأوروبية إلى اتخاذ تدابير مشددة منها وضع حراسة على المنشآت النووية ومخازن النفايات المشعة ورفع مستويات تأهب من قواعد عسكرية وبنى تحتية حيوية للطاقة.
وبدأت دول أوروبية عدة في نشر أنظمة مضادة للطائرات المسيّرة، وتعزيز الرادارات قصيرة المدى، وتقييد المجال الجوي حول المنشآت الحساسة، ورفع مستوى التنسيق الاستخباراتي بين الدول، كما يجري العمل على تحديث العقيدة الدفاعية، لتشمل التهديدات الجوية الصغيرة غير التقليدية.