وُلِدت في عهد الجمهورية الفرنسية الثالثة، ثم أصبحت شابة نجمة وأسطورة سينمائية حرّة في الجمهوريتين الرابعة والخامسة، ثم عجوزاً تسعينية حتى أمس الأول، ولكن من دون أن تخجل من شيخوختها الأنيقة، فلم تختبئ في عزلة، ولم تعرف مرض الكآبة الذي يصيب النجوم وهي تأفل رويداً رويداً، وبقيت مع الخيل والماعز والدولفين، حرّة ولم تعرف سنّ اليأس، وقبل ذلك، لم تعرف أزمة منتصف العمر، ومن أحلامها الصغيرة الأخيرة، أن تعيش في قرية، بلا هاتف محمول، ولا حاسوب.

امرأة من ثلاثينيات القرن العشرين، ولم يشأ القدر أن تكمل مئة عام في القرن الحادي والعشرين، إلّا أنها كانت المرأة التي تشبه الطلقة. عاشت في زمن عشرة رؤساء مرّوا عليها وعلى الإليزيه: لوبران، رينيه كوتي، ديغول، جورج بومبيدو، ديستان، ميتران، شيراك، ساركوزي، فرانسوا أولاند، وماكرون الذي وصفها بالأسطورة، وهي لم تكن سوى خلاصة واحدة من الأساطير الفرنسية والجمالية أيضاً.

عاشت في الزمن الوجودي لسارتر، لكنها، ضمنياً، ساخرة كبيرة من وجودية صاحب الفلسفة التي أصبحت موضة أكثر منها فكراً أو ثقافة، وعاشت زمن ألبير كامو، ومرّ عليها أو هي مرّت على صنّاع الشعر المائي في باريس: من جاك بريفير، إلى سان جون بيرس، إلى رامبو وبودلير.. وغيرهم من شعراء وفلاسفة مقاهي السان جيرمان، والحي الّلاتيني، ومنازل المهاجرين العرب الذين لم تحبّهم مثلما كانت تحب الكلاب على الأقل، وأقصى حدّ على عنصريتها تلك كانت عقوبة بنحو ألفي يورو.

عاشت أيضاً الحربين العالميتين، ولم تُصب بأذى، وكان الجندي الألماني يبحث في باريس عن الخبز والجبن وبريجيت باردو كما يخيل لأحد شعراء السوريالية، وقد عاشت أيضاً زمن الدادائيين والسورياليين، ولكنها لم تكن سوريالية ولا عبثية ولا فوضوية، بل امرأة تعرف أين وكيف تضع كعبها العالي حتى لو مشت على رصيف حجارة، وليس على سجادة حمراء.

لم يكتب عنها أحد من الفرنسيين أو الأوروربيين رواية أو سيرة أو قصة من قصص الخيال والغموض، ولكنها مع ذلك، كانت هاجس أولئك المثقفين الذين أنجبوا العشرات من نظريات الحرية، ولم تكن مخاضاتهم تلك سوى حمل كاذب.

امرأة تاريخ أوروبي وعالمي كتبه المئات من ستالين، إلى هتلر، إلى غاندي، إلى ديغول، وهي اختصرت تاريخها بسرعة، استقالت من السينما، وعملت في مؤسسة القطط والكلاب أسقط حيوانات باريس.

[email protected]