ما الذي نسيته أنظمة التعليم العربية، عندما قرّرت إنشاء مناهج على طراز حديث؟ ما كان حديثاً سنة 1900، بات حديث السمّار المتفكهين. لكن، إذا اعتراك ضباب هذه الأوهام، فاعلم أن حليمة، في تدريس قواعد لغتنا، لم تبرح عاداتها القديمة. أمّا تطوير مناهج العلوم، فأنت تثير المواجع، حيث لا يوجد للعلاج مراجع. شأننا شيء آخر.

ثمّة قاعدة ابتدعها القلم، يظنّ أنها ذهبية، مفادها أن أُولى الأولويات، عند التفكير في تأسيس نظام تربوي تعليمي، أو مؤسسة إعلامية، أن تسأل الجهة نفسها: ما هي الغاية؟ أمّا إذا كان رصيد القيم الفكرية أو الثقافية أو الإنسانية، عالياً، فالسؤال: ما هي الرسالة؟ وإلّا فلا فرق بين مدرسة تفرّخ حملة شهادات باحثين عن عمل، وبين معمل المعلبات الغذائية.

أهميّة ارتباط نظام التعليم بعجلة التنمية، يبلغ أحياناً حدّ الصرامة. ليس غريباً عن اليابانيين، الذين تدخل الشدّة في تربيتهم، فالفنون القتالية، جزء لا يتجزأ من تأهليهم النفسي والروحي عبر إعداد الجسد. قبل بضع سنوات، حين أدركت حكومتهم أن مكانة الاقتصاد عالمياً تتراجع، وأن نسبة النمو لم تعد تضمن المنافسة المطلوبة، أوعزت إلى وزارة التربية، بأن ترفع عدد طلاب الفرع العلمي، على حساب الفرع الأدبي. أيقنت أن عدد المهندسين وأهل البحث العلمي، والمتخصصين في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، لم يعد كافياً.

قلت للقلم: مشكلات اليابان ليست من ثوب التنميات العربية المتعثرة، مقاسهم هو«ثري إكس لارج»، وهذه مقاسها يحتاج إلى طريقة تسمين «السومو». ما نسيته أنظمة التعليم العربية، لا يتجاوز أصابع اليد، لكنها أصابع كسلسلة الجبال: مناهج ديار العرب لا تعلّم الطفل منذ تسلّمه عند عتبة الابتدائية، كيف يفكّر ويكون عقلاً ناقداً. هي لا تؤهله للفكر والفلسفة وفلسفة العلوم والبحث العلمي.

ما عدد مراكز البحث والمجلات العلمية في بلاد العرب؟ بل ما عدد المواقع الشبكية العلمية، قياساً على مواقع الشعوذات والهرطقات وتسميم العقول بشتى أصنافها؟ هات رقماً للجمعيات والمؤسسات الأهلية للاختراع والابتكار؟ أخطر من ذلك في ما نسيته أنظمة التعليم، هو أن التنمية الشاملة، والنهضة العلمية بخاصة، إضافة إلى منظومة المراقي الثقافية وتجليات الإحساس بالجمال، هي السيمفونية التي تعزّز المعنويات والإرادة والطموح.

لزوم ما يلزم: النتيجة التذكيرية: متى استيقظت الإرادة، وجدت القطار أمامها.

[email protected]