- طالبن بالمرونة الوظيفية وتحديث سياسات العمل
- عضوات في «الوطني»: قضية مجتمعية تتطلب التأني والتوازن
سلام أبوشهاب، عبدالرحمن سعيد، محمد أبوالسمن
في السنوات الأخيرة بدأ يتشكل وعي جديد يعيد النظر في العلاقة بين العمل والحياة، وأضحى التقاعد المبكر خياراً قائماً على السعي للتوازن، لا على الرغبة في الانسحاب. «الخليج» ألقت الضوء على هذه الظاهرة عبر هذا التحقيق، ورصدت في الجزء الأول أبرز دوافع التقاعد المبكر التي تراوحت بين البحث عن حياة أفضل والاستقلال المالي والرغبة في كسر الروتين.
في الجزء الثاني من التحقيق، التقت «الخليج» مع عدد من المسؤولين وأعضاء في المجلس الوطني الاتحادي، الذين كشفوا أن السياسات المؤسسية قد تشجع بشكل غير مباشر على الخروج المبكر من العمل، معتبرين أن هذه الظاهرة قضية مجتمعية وتنموية تتطلب قراءة متوازنة بعيداً عن التعميم والأحكام المسبقة.
أكدت عضوات في المجلس الوطني الاتحادي، أن بعض السياسات المؤسسية قد تشجع بشكل غير مباشر، على الخروج المبكر من سوق العمل، سواء عبر محدودية فرص التطور الوظيفي، أو ضعف برامج التحفيز، أو غياب التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، لاسيما لدى السيدات.
وأوضحن ل«الخليج»، أن ظاهرة التقاعد المبكر، تعتبر قضية مجتمعية وتنموية تتطلب قراءة متأنية ومتوازنة، بعيداً عن التعميم أو الأحكام المسبقة، فهو ليس قراراً فردياً معزولاً، بل نتيجة لتشابك عوامل مهنية وصحية واقتصادية واجتماعية.
وتتعدد أسباب ودوافع التقاعد المبكر، فأبرزُها الإرهاق الوظيفي، وتدني الأجور مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف الحوافز، وغياب المسارات الواضحة للتطور المهني، وضغوط العمل، خاصة في الوظائف ذات المتطلبات العالية أو البيئات غير المرنة، كما تلعب الحالة الصحية دوراً محورياً، إضافة إلى الرغبة في التفرغ للأسرة، أو البحث عن جودة حياة أفضل.
وأشار العضوات، إلى أن هذه الظاهرة تحمل آثاراً مزدوجة، فقد يؤدي خروج الكفاءات والخبرات الوطنية في سن العطاء إلى فقدان رأس مال بشري مهم، ويرفع كلفة الإحلال والتدريب، وأكدوا أن الهدف ليس منع التقاعد المبكر بشكل مطلق، بل إدارته بحكمة، بما يوازن بين حق الفرد واحتياجات سوق العمل، ومتطلبات التنمية المستدامة.
كما قدمن حلولاً، منها تحديث سياسات العمل، وتعزيز المرونة الوظيفية، وتوفير برامج إعادة التأهيل والتدريب، ودعم الصحة النفسية، وتشجيع أنماط العمل الجزئي والعمل عن بُعد لكبار السن مهنياً، والاستفادة من خبراتهم كمستشارين أو مدربين.
بيئات العمل
أكدت منى راشد طحنون، عضو المجلس الوطني الاتحادي، أن التقاعد المبكر يُعدّ إحدى القضايا المرتبطة ارتباطًا مباشراً بملف استدامة الموارد البشرية الوطنية، وبما تتبناه الدولة من سياسات تهدف إلى رفع كفاءة سوق العمل وتعزيز الإنتاجية والاستثمار في رأس المال البشري، وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إليه باعتباره قراراً فردياً فقط، بل كمؤشر يستدعي مراجعة شاملة لبيئات العمل ومدى توافقها مع التوجهات الوطنية الرامية إلى إطالة العمر المهني وتعظيم الاستفادة من الخبرات الوطنية.
وقالت: «تتعدد دوافع التقاعد المبكر بين أسباب صحية وأسرية أو رغبة في التحول المهني، إلا أن جزءاً من هذه الظاهرة يرتبط بارتفاع الضغوط الوظيفية، ومحدودية المرونة في بعض جهات العمل، وعدم مواءمة بعض السياسات الإدارية لاحتياجات الموظفين في مراحل عمرية مختلفة، كما أن غياب برامج الرفاه الوظيفي والدعم النفسي والوقاية المهنية قد يسهم في تسريع اتخاذ قرار التقاعد المبكر، لاسيما لدى أصحاب الخبرات الطويلة».
وأوضحت: «يقع على عاتق جهات العمل مسؤولية أساسية في تحقيق مستهدفات السياسات الوطنية ذات الصلة بسوق العمل، من خلال تطوير بيئات عمل محفزة، وتبني نماذج عمل مرنة تتوافق مع أفضل الممارسات، مثل العمل الجزئي، والعمل عن بُعد، وإعادة تصميم الأدوار الوظيفية بما يضمن استمرار العطاء دون استنزاف، كما أن الاستثمار في التدريب المستمر، ونقل المعرفة، وتمكين القيادات الوسطى يُعدّ عنصراً محورياً في الحفاظ على الكفاءات الوطنية وتقليل معدلات الخروج المبكر من سوق العمل».
تحدٍّ حقيقيٌّ
على مستوى الإنتاجية، فإن التقاعد المبكر يمثل تحدياً حقيقياً لاستدامة الأداء المؤسسي، إذ يؤدي إلى فقدان خبرات تراكمية يصعب تعويضها على المدى القصير، ويرفع كلفة الإحلال الوظيفي وبناء القدرات، وتؤكد منى طحنون، أنه من هذا المنطلق، فإن الحد من التقاعد المبكر ينسجم مع التوجهات الوطنية الهادفة إلى تعزيز كفاءة الإنفاق، ورفع تنافسية المؤسسات، وتحقيق الاستقرار الوظيفي.
وأضافت أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تكاملًا بين السياسات التشريعية والتنفيذية، من خلال مراجعة أنظمة التقاعد بما يحقق التوازن بين الاستدامة المالية ومرونة الخيارات الوظيفية، وتوسيع نطاق الاستفادة من أصحاب الخبرات في أدوار استشارية وإرشادية، بما يسهم في نقل المعرفة للأجيال الجديدة، فالتعامل الاستباقي مع التقاعد المبكر لا يحافظ فقط على الكفاءات الوطنية، بل يدعم الأهداف الوطنية المرتبطة بالتنمية المستدامة وبناء اقتصاد قائم على المعرفة.
خيارات مرنة
من جانبها، أكدت سمية عبدالله حارب السويدي، أن حكومتنا الرشيدة أولت اهتماماً بالغاً بمصالح المواطنين لكلا الجنسين للرجل والمرأة على حد سواء، عبر تقديم خدمات وخيارات مرنة عدة تهدف إلى استقرارهم مادياً ونفسياً واجتماعياً، مثل برنامج المكافأة الذكية الذي يجيز خدمة شراء عدد من سنوات الخدمة.
وقالت إن الدولة خصصت معايير خاصة فعالة تضمن لجميع الفئات الاستقرار المالي والاجتماعي، مثال ذلك المرأة العاملة التي لديها أطفال، وموائمة سياسات الموارد البشرية للاتجاهات التي تخدم مفهوم التقاعد المبكر ومتطلبات سوق العمل الحديث.
وأضافت: «البعض يرى أن التقاعد المبكر يتيح للأجيال الأصغر دخول سوق العمل، ما يقلل من معدلات البطالة خصوصاً بين الشباب. ويمكن أن يساعد ذلك في معالجة مشكلات تتعلق بالعدالة بين الأجيال في سوق العمل، في حين يشير آخرون إلى أننا بحاجة لكفاءات ذات خبرة واسعة، وقد يؤثر ذلك سلباً على الإنتاجية والابتكار وعمق المهارات، خاصة في القطاعات التي تعتمد على المحترفين ذوي الخبرة التي تمثل قيمة مضافة حقيقية لسوق العمل».
أسباب عديدة
غالباً ما يختار بعض الأفراد التقاعد المبكر لأسباب مختلفة، مثل مشاكل صحية، أو عدم الرضا عن الوظيفة، أو رغبتهم في حياة أكثر استرخاءً، أو مشاركتهم في تربية أبنائهم بفاعلية أكبر، لكن هذه القرارات يمكن أن توفر فوائد شخصية، لكنْ تأتي مع مخاطر مالية بسبب انخفاض رواتبهم الشهرية.
وقالت سمية السويدي: «من جانب إيجابي آخر قد يختار المتقاعدون المبكرون استثمار مدخرات التقاعد الخاصة بهم بطرق متنوعة، مثل بدء أعمالهم الخاصة أو إجراء استثمارات ومشاريع تعزز النمو الاقتصادي وتشجع الدولة ريادة الأعمال والاستدامة المالية».
وأضافت: «نحن في دولة قائمه على صياغة القوانين واللوائح بعناية فائقة، تضمن العدالة وحفظ الحقوق لمواطنيها وتضمن لهم الاستقرار والأمان الاقتصادي والاهتمام البالغ في اتباع نهج متوازن تجاه التقاعد المبكر، وعلى الفرد اتخاذ القرار الصائب حول التقاعد المبكر، حيث يعد قراراً مهماً في حياة الفرد، لما يترتب عليه من آثار مالية ونفسية واجتماعية، ورغم ما يحمله التقاعد المبكر من إيجابيات، مثل تقليل ضغوط العمل، وإتاحة الفرصة لاكتشاف مهارات جديدة، وحل بعض المشكلات المهنية والشخصية، فإن له سلبيات لا يمكن تجاهلها، أبرزها انخفاض الدخل التقاعدي وتأثيره على الاستقرار المالي على المدى الطويل، ومن هنا، فإن التقاعد المبكر لا ينبغي أن يكون خياراً عاماً، بل قراراً مدروساً يُتخذ وفق ظروف كل فرد فالتوازن بين مصلحة الموظف ومصلحة المجتمع هو الأساس لضمان حياة كريمة للفرد واستدامة التنمية في الوطن».

قضية مجتمعية
قالت حشيمة ياسر سعيد العفاري، عضو المجلس الوطني الاتحادي، إن هذه الظاهرة، سواء لدى الرجال أو السيدات، تعتبر قضية مجتمعية وتنموية تتطلب قراءة متأنية ومتوازنة، بعيداً عن التعميم أو الأحكام المسبقة، فالتقاعد المبكر ليس قراراً فردياً معزولاً، بل نتيجة لتشابك عوامل مهنية وصحية واقتصادية واجتماعية.
وأضافت: «تتعدد أسباب ودوافع التقاعد المبكر، ويأتي في مقدمتها الإرهاق الوظيفي وضغوط العمل، خاصة في الوظائف ذات المتطلبات العالية أو البيئات غير المرنة، كما تلعب الحالة الصحية دوراً محورياً، إضافة إلى الرغبة في التفرغ للأسرة، أو البحث عن جودة حياة أفضل، ولا يمكن إغفال بعض السياسات المؤسسية التي قد تشجع بشكل غير مباشر، على الخروج المبكر من سوق العمل، سواء عبر محدودية فرص التطور الوظيفي، أو ضعف برامج التحفيز، أو غياب التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، لاسيما لدى السيدات».
وتابعت: «قد يؤدي خروج الكفاءات والخبرات الوطنية في سن العطاء إلى فقدان رأس مال بشري مهم، ويؤثر على استدامة المعرفة داخل المؤسسات، ويرفع كلفة الإحلال والتدريب، ومن جهة أخرى، قد يكون التقاعد المبكر في بعض الحالات فرصة لإعادة ضخ دماء جديدة في سوق العمل، شريطة أن يتم ذلك ضمن سياسات مدروسة تضمن نقل الخبرة وعدم فقدان التراكم المهني».
دور محوري
يقع على عاتق جهات العمل دور محوري في معالجة هذه الظاهرة، منها توفير بيئات جاذبة مرنة ومحفزة، تعزز الصحة النفسية والجسدية للموظفين، وتفتح مسارات واضحة للتطور الوظيفي، وتدعم أنماط العمل المرن، والعمل الجزئي، والعمل عن بُعد، خصوصاً في مراحل عمرية معينة.
وقالت حشيمة العفاري: «فيما يتعلق بمواجهة التقاعد المبكر، فإن الحل يكمن في حزمة متكاملة من السياسات، تشمل مراجعة تشريعات العمل والتقاعد، وتعزيز برامج إعادة التأهيل والتطوير المهني، والاستفادة من الخبرات المتقاعدة عبر الاستشارات أو العمل الجزئي، إضافة إلى نشر الوعي بثقافة التخطيط الوظيفي والمالي المبكر.
فرصة للهروب
يعد التقاعد المبكر ظاهرة متنامية في كثير من المجتمعات، وتختلف نظرة الرجال والسيدات إليها باختلاف الأدوار الاجتماعية والظروف الاقتصادية والمهنية، وترى آمنة علي سالم العديدي، عضو المجلس الوطني الاتحادي، أنه بالنسبة للرجال، يُنظر إلى هذه الفكرة على أنها فرصة للهروب من ضغوط العمل المتزايدة، أو نتيجة للشعور بعدم الاستقرار الوظيفي، أو الرغبة في بدء مشروع خاص، بينما ترى بعض السيدات أنه خيار يوازن بين متطلبات العمل والأسرة، خاصة في ظل ضعف سياسات دعم الأمومة والعمل المرن، أو نتيجة سقوف الترقي الوظيفي وعدم تكافؤ الفرص.
وأشارت إلى بعض أسباب ودوافع التقاعد المبكر، ومن أبرزها تدني الأجور مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف الحوافز، وغياب المسارات الواضحة للتطور المهني، كما تلعب التحولات التكنولوجية دوراً مهماً، حيث يشعر بعض العاملين بعدم القدرة على مواكبة المهارات الجديدة، ما يدفعهم إلى الخروج المبكر من سوق العمل، ولا يمكن أيضاً إغفال العوامل الصحية والنفسية، إضافة إلى الرغبة في تحسين جودة الحياة وقضاء وقت أطول مع الأسرة.
وتعد سياسات العمل الجامدة، وبيئات العمل غير الداعمة، وتجاهل التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، عوامل تشجع على التقاعد المبكر. في المقابل، تسهم المؤسسات التي تعتمد سياسات مرنة، وتوفر التدريب المستمر، وتكافئ الأداء، في إطالة العمر الوظيفي للعاملين وتعزيز انتمائهم.
وأكدت آمنة العديدي، أن التقاعد المبكر يؤثر سلباً على الإنتاجية على المدى المتوسط والطويل، إذ تفقد المؤسسات خبرات تراكمية ومعرفة مؤسسية يصعب تعويضها سريعاً، كما ترتفع تكاليف الاستبدال والتدريب، وقد تتأثر جودة الأداء، وعلى المستوى الكلي، يضغط التقاعد المبكر على أنظمة التأمينات والمعاشات، ويقلص حجم القوى العاملة النشطة.
وقالت: «لمواجهة هذه الظاهرة يجب إيجاد مقاربة شاملة تشمل تحديث سياسات العمل، وتعزيز المرونة الوظيفية، وتوفير برامج إعادة التأهيل والتدريب، ودعم الصحة النفسية، وتطبيق مسارات مهنية واضحة وعادلة للجميع، كما ينبغي تشجيع أنماط العمل الجزئي والعمل عن بُعد لكبار السن مهنياً، والاستفادة من خبراتهم كمستشارين أو مدربين، وبهذا، يمكن تحويل التحدي إلى فرصة تعزز الإنتاجية والاستدامة الاقتصادية».
