هل على العالم العربي، في ملتقى العامين، أن يُجري جردة حساب لسنة مرتحلة، أم جردة استشراف لأخرى مقبلة؟ أنت محقّ إذا بدا لك السؤال مأزقاً، فهو يضيف إلى الشّقّين مشكلةً ثالثةً، متمثلةً في أن الاختيار ليس مألوفاً في العادات الذهنية، والتقاليد السلوكية. لكن الناس سمعوا بالجدل الفلسفي: «الإنسان مخيّر أم مسيّر؟» التخيير المعهود يشبه أحياناً المشهد في الفيلم الكوميدي الفرنسي: «فانفان لا توليب» (فانفان الزنبقة)، حين يمسك أبو العروس بخناق القسيس: «تنجز عقد الزواج أو أقتلك»، فيقول: «الآن وقد خيّرتني، سأفعل». أمّا المعضلتان الكامنتان في السؤال، فهما أن المضارب العربية، في غالبيتها، تفتقر إلى مخزون من جردة حساب الماضي. أبسط مثال: في السنوات العشر الأخيرة، قضى قرابة ثلاثة ملايين عربي، في العراق وليبيا وسوريا وفلسطين، نحبهم كأنهم أوراق خريف تناثرت. لا حساب ولا كتاب. أمّا جردة الاستشراف فهي أبعد منالاً. تخيّل ما يحدث عندما يُنقش على الدماغ: «لك الساعة التي أنت فيها». عندئذ يبتكر المخ الأمثال: «دع التخطيط للغطيط».

غداً، نقول للحادي والثلاثين من ديسمبر: العام الماضي. لكن العالم العربي سيدخل السنة الجديدة معصوب العينين، لا مستشرفاً ولا مستكشفاً ولا متعرّفاً ولا متخوّفاً، بالرغم من أن العام يُعرف من ظروفه الزمانية والمكانية. لكن لا خوف ولا العرب يحزنون، إن كانوا مثل تلك المنظمة، من الراسخين في الحكمة الصوفية: «الإرادة هي ألاّ تفعل»، والحصافة الشعرية: «دع الأيام تفعل ما تشاءُ»، فتلك الحنون الرؤوم، حضنها حصن منيع، وكيف لا، وهي التي عناها أبو الطيب بهديره: «وتركك في الدنيا دويّاً كأنما.. تداولُ سمعَ المرء أنملهُ العشرُ». في الضجّة الكبرى التي أثيرت حول أرض الصومال، صدحت المنظمة كالآلات النحاسية، شاجبةً مندّدةً مستنكرةً على نحو لم يسبق له مثيل منذ ثمانين عاماً، فقد جاء في بيانها أنها فعلت ذلك «بأشدّ العبارات». قال القلم: حتى خشيت أن تحشد وتحشر جيشاً جرّاراً من خمسمئة مرادف للغضنفر، فيصاب المترجمون بالدوخة والدوار، ولا يجدوا من مفرّ غير تكرار كلمة أسَد خمسمئة مرّة. ألا يكفي هذا للتفاؤل بمطلع العام الجديد، الذي يطل على الأمّة بطرفة دانية من مؤسسة حانية؟

لزوم ما يلزم: النتيجة المقرابيّة: تبصّروا جيّداً، قد يكون أرشيف تداعي أحجار الدومينو، مجرّد أشواط نزهة.

[email protected]