من العوامل المهمة في تطوّر الأسواق ثقة المستثمرين بها، بمعنى الاطمئنان إلى الاقتصاد الذي يعمل فيه السوق، وإمكانية توقع توجهاته المستقبلية استناداً إلى سياسات حكومته. ويبني المتعاملون خطواتهم الاستثمارية في الأسهم والسندات والأوراق المالية على أساس تقديرات توجه السوق، واقتصاده.
وحين يصبح صعباً على المستثمرين التوقع لعدم الثقة بالسياسات، وبالتالي تحرك السوق مستقبلاً، يُحجمون عن الاستثمار فيه، ويتحوّطون لاحتمالات غير متوقعة. ولعل أهم ملمح للعام المنصرم 2025، هو اهتزاز الثقة. وقد جعلت مجلة «الإيكونوميست» العريقة «فقدان الثقة بأمريكا» واحداً من أكبر خمسة تطورات في الأسواق، هذا العام.
يعود القدر الأكبر من اهتزاز الثقة إلى سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب غير المتوقعة، سواء في ما يتعلق بالتجارة الدولية بقرارات فرض التعريفة الجمركية على كل العالم تقريباً، والعقوبات المختلفة على مزيد من الدول. لكن اهتزاز الثقة يرجع إلى ما هو أبعد من ذلك، فعلى سبيل المثال هناك «عدم يقين» بشأن كثير من التوجهات من مكافحة التغيّرات المناخية إلى الذكاء الاصطناعي، إلى السياسة، إلى الاقتصاد، وصولاً إلى العلاقات الثنائية التي أصيبت بحالة تصدّع خطرة.
تحوّل الكثيرون من الاستثمار في النفط والغاز إلى الاستثمار في الطاقة المتجدّدة، من الرياح والشمس، وغيرهما. والآن، تتراجع حكومات كثيرة عن أهداف مكافحة التغيّرات المناخية بالحد من الانبعاثات الكربونية، بما يهدّد استمرار نمو الاستثمارات في التحول في مجال الطاقة. أما فورة الذكاء الاصطناعي، وإنْ ما زالت مستثمرة باعتبارها أهم نافذة للمستثمرين الآن، إلا أن المخاوف من غليان أسهم شركات التنكنولوجيا وانفجار الفقاعة، تدفع كثيرين إلى التردّد والتحوّط، إن لم يكن الإحجام.
الأمثلة كثيرة على اهتزاز الثقة بعالم الأسواق والمال والاقتصاد، وليست كلها بسبب إدارة ترامب، وسياساتها، وإن كانت هي الأكثر أهمية. إلا أن اهتزاز الثقة لا يقتصر على عالم المال والأعمال، ولا على الاقتصاد وحده، بل بدا واضحاً، خلال العام، أنه ينسحب على كثير من أوجه نشاط البشر على الأرض.
ربما ليس بالقدر الذي حدث في الأسواق، لكن السياسة أيضاً شهدت اهتزاز الثقة بشكل ينذر بتطورات أكبر، في مقبل الأيام والسنين. فالتحالف الغربي الذي تقوده أمريكا يشهد تصدعات نتيجة افتقاد الثقة. فالأوربيون لم يعودوا يرون الولايات المتحدة حليفاً محل ثقة. ولعل الخلافات العميقة بشأن حرب أوكرانيا، هذا العام، مثال واضح على ذلك.
كما أن الإدارة الأمريكية تعلن بوضوح أنها ليست مستعدة للدفاع عن أوروبا، وأن على الأوروبيين إن يطوّروا قدراتهم العسكرية لحماية انفسهم. وتضغط واشنطن على بروكسل لتتخلى عن قواعدها وقوانينها، وتفتح أبوابها للشركات الأمريكية، من دون قيد أو شرط. حتى بريطانيا، التي لطالما تغنت بتلك «العلاقة الخاصة» مع أمريكا، لا تلقى من واشنطن سوى الضغوط، والانتقادات، ومحاولات التدخل في شؤونها الداخلية، بدعم ترامب وإدارته لليمين المتطرف البريطاني. كذلك عززت مطالبات الرئيس الأمريكي ترامب بالسيطرة على غرينلاند من حالة عدم الثقة بين الطرفين.
الأخطر أن اهتزاز الثقة يمتد إلى داخل الدول أيضاً، ليس بين الحكومات وجماهير شعبها فقط، وإنما حتى بين فئات الجماهير في البلد الواحد. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، هناك توجه للنيل من الطبقة الوسطى عبر تعميق الفجوة بين الأثرياء والفقراء. ويضغط ذلك بشدة على الطبقة الوسطى التي كانت تعتبر أساس الدولة الوطنية، وعماد الديمقراطية الغربية.
حتى داخل تلك التيارات في داخل الدول شهدنا اهتزاز الثقة أيضاً. فالقاعدة الانتخابية الصلبة لإدارة ترامب، حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً»، (ماغا)، تتراجع ثقتها بقيادتها وسياساتها، بخاصة مع استمرار كلفة المعيشة في الولايات المتحدة، على الرغم من البيانات الاقتصادية الوردية. وينسحب ذلك على كثير من الدول الأخرى، من بريطانيا إلى كوريا.
عام اهتزاز الثقة
31 ديسمبر 2025 01:05 صباحًا
|
آخر تحديث:
31 ديسمبر 01:05 2025
شارك