د. ندى أحمد جابر*

أول ما يتبادر إلى ذهن القارئ أننا نعني شركات التكنولوجيا العملاقة التي تبدو على الشاشات كحيتان تبتلع المشهد الإعلامي العالمي، ولا تخفي نفوذها، والتي تتمتع بميزانيات ضخمة تفوق ميزانيات بعض الدول في إفريقيا وآسيا، وبعض الدول الصغيرة في أوروبا. وتتمتع بقدرة التحكم في الرأي العام العالمي. ولم تعُد سراً سيطرتها على البيانات العالمية التي تُعلن أنها تستخدم للإعلانات، وهي صادقة، فعلاً تُستخدم للإعلان التجاري والسياسي، بقوة ناعمة غير قابلة للمحاسبة، تُدرّب خوارزميات على الترويج لمرشح من خلال التعليقات والفيديوهات الداعمة له. وتجيد بالمقابل التعتيم على آخر. هكذا تتدخل في الخَيارات السياسية ما يعطيها نفوذاً أقوى تجيد استغلاله بطرق لم تعُد خفيه اليوم. لكن هذا النفوذ الواضح والذي يتخطى الحدود الجغرافية عالمياً، يقف صامتاً عند حدود نفوذ آخر لا يظهر على الشاشات، لكنه يتحكم في أهم أهداف هذه الشركات.
هذه الشركات ليست جمعيات خيرية، ولا حركات وطنية، هي أولاً وأخيراً شركات ربحية، يحرص أعضاء مجالس إدارتها على الربح، والحفاظ على مركزها المالي المتفوق، ومقياسه الأسهم في أسواق المال. هنا يبدأ خضوعها لشركات لا نقول تتحكم في أسواق مال، نقول الأهم.. أسواق المال لا تعمل من دونها.. هذه الشركات هي (بلاك روك، فانغارد، وستسيت سيتريت) (Black Rock-Vanguard-Sate Street).
الشركات المذكورة، تملك نفوذاً بنيوياً يجعلها أقوى من الدول أحياناً، لأن هيكل السوق نفسه يمّر عبرها. هي الأكثر تأثيراً فعلياً في أسواق الأسهم، فهي التي تملك حصصاً في آلاف الشركات. هي لا تتدخل إعلامياً، لكن صوتها يؤثر، بهدوء وثقل، في ارتفاع سهم، وانخفاض آخر. هي باختصار، قادرة على زحزحة شركات التكنولوجيا عن عرشها المالي، لذلك هي النفوذ الأقوى وإن بدا صامتاً من دون ضجة إعلامية.
هذه الشركات، كلها بالمناسبة أمريكية الجنسية، ومقرها أمريكا، وتخضع للقوانين الأمريكية، وتعمل بالدولار الأمريكي، وضمن النظام المالي الأمريكي. هي شركات أمريكية عالمية التأثير. ونسأل لماذا أمريكا؟ لأنها تملك: أعمق أسواق المال في العالم، وتملك الأهم.. الدولار كعملة احتياط عالمية.
هنا نصل إلى أهم سؤال: هل النفوذ العالمي المالي هو في جوهره نفوذ أمريكي؟ الجواب باختصار.. نعم. الدولار هو العمود الفقري لهذا النفوذ، معظم التجارة العالمية تُسعّر بالدولار، الديون السيادية والاحتياطات النقدية كلها مرتبطة بالدولار. الدولار ليس عملة، بل لغة السوق العالمية. الأسواق الأمريكية هي المركز. الدولار هو نفوذ الظل الذي يتحكم في مصائر الدول. ففي زوايا السياسة والاقتصاد، لا تُرى القوة دائماً في ضوء النهار، أحياناً تكون في الظل، غير معلنة لكنها فاعِلة. نفوذ الدولار الأمريكي، والنظام المالي الذي يدور في فلكه هو النفوذ الخفيّ الذي يؤثر في الحكومات، وأسواق المال، وحتى في سياسات الدول الرافضة للهيمنة الأمريكية. هذا لا يعني أن الدولار هو الأكثر تداولاً، بل إن النظام يتحرك في دائرته.
يُستخدم تعبير النفوذ الصامت، أو نفوذ الظل، لوصف هذه السيطرة غير المباشرة: قوة لا تُمارس عبر التدخل العسكري، ولا عبر قرارات الأمم المتحدة، بل عبر آليات مالية تقنية تتحكم في ما يُسمح للدول ذات الاقتصاد الهش بالوصول إليه من موارد، وما تُحرم منه، بناء على سلوك هذه الدولة، بتخفيض قيمة عملتها أمام الدولار بشكل «زلزالي»، يُفقدها قوتها الاقتصادية، فتخضع لنفوذ من يملك مفاتيح أبواب قوتِها وأرزاقها.. العقاب أو الثواب، بيد من يملك الجواب.. الرفض أم الاستسلام؟
جوزيف ستيغليتز صحفي حائز نوبل في الاقتصاد، يرى أن المؤسسات المالية الدولية كثيراً ما تطبّق وصفات اقتصادية موحدة تخدم مصالح القوى الكبرى، وتترك الدول الضعيفة في دائرة الديون المُتجَددِة، ما يَسمح لها بالتدخل في قراراتها السيادية. هو احتلال ناعم وقاسٍ، في آن. الكاتبة الكندية ناعومي كلاين، ذكرت في كتابها «رأسمالية الكوارث» كيف تَستغل القوى المالية أزمات الدول لتوجيه سياستها الاقتصادية نحو بازار مفتوح، ومعايير تقشف صارمة، غالباً على حساب الفئات الفقيرة.
إذا كان ما يحدث يبدو بلا صلاة، ولا أذان اقتصاد يضرب ويكافئ بشحطة قلم- تكثر الأسئلة: هل يمكن للعالم أن يبني نظاماً مالياً بديلاً، من دون أن يمرّ بحرب عالمية تغيّر قواعد اللعبة، بدل الاستمرار في لعبها، على الرغم من قناعته بعدم عدالتها؟
تجارب التاريخ تقول: ما يُغَيّر بزلزال لا يَتغيّر إلا «بزلزال».

 [email protected]

*كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية