د. صلاح الغول

وقّع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في 18 ديسمبر المنصرم، قانون تفويض الدفاع الوطني الأمريكي للعام المالي 2026، الذي يتضمن إلغاء قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا، الصادر عام 2019. وكان قانون قيصر يمثل أشدّ طبقات العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا، وصُمِّم في الأصل لمعاقبة نظام حكم الرئيس السوري السابق، بشار الأسد، بسبب انتهاكات حقوق الإنسان خلال الحرب الأهلية. وقد شمل عقوبات ثانوية على أيّ جهة تقدم سلعاً أو دعماً ماليّاً للحكومة السورية.
وقد جاءت الخطوة الأمريكية بعد شهر تقريباً، من زيارة تاريخية للرئيس السوري، أحمد الشرع، إلى الولايات المتحدة، تناولت إعادة هيكلة العلاقات الثنائية، وانضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش»، ورفع العقوبات الأمريكية عن سوريا.
ويزيل إلغاء قانون قيصر العوائق الهيكلية أمام الاستثمار الأجنبي في سوريا، بخاصة في مجالات إعادة الإعمار، والبنية التحتية والطاقة. بعبارة أخرى، يمثّل الإلغاء الكامل للعقوبات تحوّلاً جذرياً في درجة انفتاح الاقتصاد السوري، حيث يؤدي هذا التعديل التشريعي عملياً إلى إزالة جميع العقوبات الثانوية المفروضة على سوريا، والسماح باستثمارات دولية واسعة في إعادة الإعمار، مع إرساء إطار رقابي مشروط يتطلب تقديم تقارير دورية (من جانب الرئيس ترامب) إلى الكونغرس خلال 90 و180 يوماً من إقرار القانون المذكور، يوضح فيه أن الحكومة السورية الانتقالية تلبّي المطالب الأمنية الأمريكية الرئيسية. وتتعلق هذه المطالب بأن تواصل الحكومة السورية التعاون مع الولايات المتحدة في جهود مكافحة تنظيم «داعش»، وتضمن سلامة الأقليات، الدينية والإثنية، وتحاسب المتهمين بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، وتمتنع عن اتخاذ «إجراءات عسكرية أحادية الجانب وغير مبرّرة» ضد جيرانها، وتُخرج المقاتلين الأجانب، وتنفذ الاتفاقيات المبرمة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
والواقع، أنّ هذا الإلغاء يخلق ضغطاً زمنياً مكثفاً على دولة الإمارات، حيث حصلت تركيا وقطر والسعودية على الضوء الأخضر للاستثمار في سوريا، ما يرجّح اندلاع منافسة إقليمية على عقود إعادة الإعمار، والنفوذ السياسي. وأمام دولة الإمارات مدة حرجة تمتد من 3 إلى 6 أشهر، لترسيخ أسبقيتها من خلال التزامات مالية كبرى يُحتمل أن تتراوح بين 5 و10 مليارات دولار، في قطاعات البنية التحتية، والطاقة، والاتصالات. وفي الوقت نفسه، ينسجم إطار الرقابة المشروط، إلى حد كبير، مع تفضيلات دولة الإمارات، لأنه يتيح لأبوظبي ربط دفعات إعادة الإعمار بمعايير حوكمة تعزّز العلمانية والتعدّدية، بما يعالج المخاوف الإماراتية من الطابع الإسلاموي لهيئة تحرير الشام، ومن بنية الدولة بشكل أوسع. ولكن المبالغة في فرض هذه الشروط قد تُضعف القدرة التنافسية لدولة الإمارات، مقارنة بتركيا، وقطر، والسعودية.
ويكشف اشتراط «تنفيذ اتفاق 10 مارس 2025 مع قسد»، ضمن إطار الرقابة اللاحق لقانون قيصر، عن أن التفاهم المستقبلي بين دمشق و«قسد»، الذي تتوسط فيه الولايات المتحدة، يشكّل محوراً أساسياً في الاستراتيجية الأمريكية المستمرة. وعلى الرغم من عدم الكشف عن التفاصيل الكاملة للاتفاق، فإن إدراج هذا البند يجعل من العلاقة بين دمشق و«قسد» مسألة امتثال، بحيث تكون استدامة رفع العقوبات مرهونة بالنجاح في تنفيذ الاتفاق.
على أية حال، يُعد إلغاء عقوبات قانون قيصر تحولاً تكيفياً في السياسة الأمريكية تجاه سوريا. ويدلل على ذلك الرفض الأمريكي لطلب إسرائيلي بالإبقاء على هذه العقوبات، كأداة ضغط في أيّ مسار تفاوضي محتمل. ويُدلل عليه أيضاً تحذير الرئيس ترامب، عبر منصة «تروث سوشيال»، من أن التحركات الإسرائيلية «تعرقل تحوّل سوريا إلى دولة مزدهرة». وكان ترامب يشير إلى استمرار الضربات الإسرائيلية، مثل حادثة بيت جن، التي أسفرت عن مقتل 13 مدنياً، ومطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو بإقامة منطقة منزوعة السلاح «تمتد من دمشق إلى منطقة الفصل الحالية»، وفرض سيطرة إسرائيلية دائمة على جبل الشيخ. ويبدو أن الولايات المتحدة تعطي الأولوية لإعادة الإعمار على حساب زيادة النفوذ الإسرائيلي في سوريا. ومع ذلك، قد تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً على حكومة الشرع للتوصل إلى تسوية سلمية مع إسرائيل. وفي هذا الخصوص، تحدثت تقارير عدة عن وساطة روسية سرية بين إسرائيل وسوريا، للتوصل إلى اتفاق أمني بين الجانبين، بمعرفة ومباركة الإدارة الأمريكية. وفي أواخر ديسمبر 2025، استضافت أذربيجان محادثات سورية-إسرائيلية لهذا الغرض.
وبالنسبة إلى السيناريوهات المحتملة، فإن سيناريو الانخراط المشروط، بمعنى استمرار رفع العقوبات الأمريكية والانخراط الأمريكي-السوري في المجالات، الأمنية والسياسية والاقتصادية، مقابل التزام سوري أمني وسياسي تدريجي، يظل هو الأرجح. وفي المدى المتوسط، ستسعى واشنطن إلى تحويل رفع العقوبات إلى أداة نفوذ سياسي مرن تُستخدم لضبط سلوك دمشق الإقليمي من دون الانخراط المباشر في ترتيبات أمنية ملزمة، وسيُدار هذا الانفتاح بمنطق الخطوة مقابل الخطوة، بحيث يُربط أيّ توسيع للدعم الاقتصادي بإحراز تقدم ملموس في ملفات الحدود، والدروز، ومكافحة الجماعات المتطرفة، والعلاقات مع الجوار. وبذلك، تحافظ الولايات المتحدة على دور المُيسِّر لا الضامن، بما يسمح لها بالتأثير في مخرجات التسويات الإقليمية، مع تجنّب كلفة الالتزام الطويل الأمد، وفي الوقت نفسه توفر الضمانات الأمنية المطلوبة من جانب إسرائيل.

[email protected]