رضا السميحيين

الإنسان عبر التاريخ، منذ وجوده على كوكب الأرض، لم يكن مخلوقاً بيولوجياً يخضع لقوانين الطبيعة فقط، بل كان ولا يزال كائناً ثقافياً بامتياز، فبينما تتطور الكائنات الأخرى عبر آليات الوراثة البطيئة، اختار الإنسان طريق الثقافة لتطور الجنس البشري، والثقافة هنا بمعنى الوعي والابتكار والتكيف الواعي مع العالم. هذا التحول الجذري، الذي بدأ منذ آلاف السنين، جعل من الإنسان سيد بيئته، وبدأ في تطوير مستقبله، ولم يترك أمره مرهوناً لمصادفات الطبيعة.
الثقافة ليست الكتب أو الفنون أو المظاهر الحضارية وحدها، كما قد يظن البعض، فالمعنى أوسع من ذلك بكثير، فهي شبكة من القيم، والمعاني، والعادات، وأنماط التفكير التي تمنح لنا منذ الطفولة، وتوجه سلوكنا دون أن ننتبه، حتى في أبسط تصرفاتنا اليومية، من طريقة نومنا إلى أسلوب أكلنا وملابسنا، كلها تمر عبر مرشح ثقافي دقيق، يحدد ما هو «طبيعي» ولائق ومقبول ضمن مجتمعنا.
حتى المظاهر التي يظنها أو يصنفها البعض «غريزية»، كالرغبة أو التعبير عن الامتنان أو الحب، نجدها تتخذ أشكالاً مختلفة باختلاف الثقافات، وهنا ندرك أن الإنسان لا يعرف العيش إلا من خلال رموزه ومعانيه.
وحين نقول كلمة «كن طبيعياً» لشخص ما، فنحن في الحقيقة نقول «كن متوافقاً مع المعايير الثقافية السائدة»، فالطبيعة البشرية مادة شكلتها الثقافات المتعاقبة وليست خامة بيولوجية صافية، وهذا الإدراك يجعلنا أكثر دقة حين نحكم على الآخرين، لأن ما نعده نحن صواباً قد يبدو غريباً في ثقافة أخرى، والعكس صحيح.
لكن، رغم هذا التنوع الهائل، هناك ما يوحد البشر جميعاً، ألا وهو «الحاجة إلى المعنى»، فكل ثقافة، مهما اختلفت، تحاول أن تفسر العالم وأن تمنح أفرادها شعوراً بالانتماء والاتساق، لهذا يمكن القول إن الثقافة وسيلة للتكيف وشرط من شروط الإنسانية ذاتها، فهي ما يمنح الإنسان القدرة على تجاوز الغريزة ليصنع القيم.
اليوم، في قلب الطوفان الرقمي، قد نتساءل، كيف يحافظ الإنسان على خصوصيته الثقافية دون أن يتحول إلى نسخة من الآخر؟ وكيف يوازن بين الانفتاح والأصالة؟ الإجابة تكمن في الوعي بأن الثقافة مشروع متجدد يصنعه الفرد والمجتمع معاً، فالإنسان لا يولد بثقافة واحدة، وإنما هو مزيج من تفاعلات ثقافية يخلقها ويعيد خلقها في كل جيل.
في المستقبل، يبدو أن الثقافة تتجه إلى أن تكون وعياً كونياً يتجاوز منطق الحدود والتصنيفات، تنشأ من تفاعل العقول عبر التقنيات المتطورة، والشبكات الذكية التي توحد التجارب الإنسانية في فضاء رقمي واسع، وستغدو الثقافة حينها منظومة تنمو بالمعرفة وتغتني بالاختلاف، ويصبح الإبداع لغة بشرية مشتركة، لا تنتمي إلى أمة أو جغرافيا، بل إلى الإنسان في حد ذاته.

[email protected]