د. محمد السعيد إدريس
تكشّف الغموض الذى كان يكتنف التوجهات الأمريكية نحو فنزويلا، بصدور «الاستراتيجية الأمنية الأمريكية الجديدة»، فقد تأكد بما لا يدع مجالاً للشك أن هذه التوجهات ليست بسبب ما تُروِّج له واشنطن، الذي لم يتجاوز هدفين: مكافحة الإرهاب وتعطيل شبكات المخدرات. كما تأكد أيضاً أن فنزويلا ليست هي كل الهدف، لكن دول أمريكا الوسطى واللاتينية كلها، وأن فنزويلا هي مجرد «ضربة البداية» في الحرب الأمريكية على أمريكا الوسطى واللاتينية (نصف الكرة الغربي)، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة، بهذا الخصوص هو: هل هذه الحرب الأمريكية ستكون من طرف واحد أمريكي، أم يمكن أن تفجر مجدداً ردود فعل لاتينية، تعيد إلى الأذهان «حرب التحرير الوطنية»، التي شهدها العالم في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية؟
هل يمكن أن تتجدد «الثورة البوليفارية»، التي قادها رمز أمريكا اللاتينية وزعيم تحريرها سيمون بوليفار، لكن هذه المرة في وجه موجة استعمارية جديدة بعنوان أمريكي؟ وهل يمكن أن تجد مثل هذه الثورة دعماً من الصين وروسيا، على نحو الدعم الذي قدمه الاتحاد السوفييتي والصين لحركات التحرير الوطنية، ومن ثم يمكن تصور حدوث حرب باردة جديدة، لكن هذه المرة لن تكون فقط أمريكية – سوفييتية على مناطق النفوذ في أمريكا اللاتينية، بل ربما في دول أخرى من العالم الثالث، أو ما يعرف الآن بـ «الجنوب الجديد»، الذي تُهيئ الهند نفسها لزعامته، وهنا تكون المواجهة هذه المرة مع الولايات المتحدة مواجهة ثلاثية: صينية – روسية – هندية؟
مثل هذه الأسئلة تُعد وليدة لتطورات الأزمة الفنزويلية الحالية، التي أخذت بعض معالمها تتكشف باعتبارها «إعادة رسم لخريجة النفوذ في نصف الكرة الغربي»، وها هي تصل الآن إلى ذروتها بالإفصاح الأمريكي عن حقيقة النوايا والأهداف، من عزم على «إعادة فرض (عقيدة مونرو) لاستعادة الاحتكار والتفوق الأمريكي في القارة اللاتينية، ومنع أي نفوذ أجنبي (صيني أو روسي) من التغلغل فيها»، حسب ما كتب ريان بيرج رئيس برنامج الأمريكتين في مركز أبحاث واشنطن، الذي يموله، بشكل كبير مقاولو البنتاغون، بأن «رؤية ترامب هي أن تكون الولايات المتحدة القوة البارزة، التي لا جدال فيها في نصف الكرة الغربي»، وهذا ما جعل صحيفة نيويورك تايمز تطلق على طموحات ترامب اسم «عقيدة دونرو» (تيمناً بعقيدة مونرو).
مكمن الخطر في عقيدة جيمس مونرو فى عام 1823، أنها أدت في عهد الرئيس الأمريكي جيمس بولك في عام 1845 إلى اعتماد «سياسة الضم» كنهج أمريكي جديد، حيث جرى اقتطاع كل من ولايتي كاليفورنيا وتكساس من المكسيك وضمهما إلى الولايات المتحدة. فهل يتمادى ترامب في عقيدته الجديدة من هدف إسقاط الحكومات ومحاربة اليسار والتغلغل الصيني – الروسي في أمريكا اللاتينية إلى «موجة ضم أراض جديدة» إلى الولايات المتحدة؟
مثل هذا الاحتمال يُفاقم من توقعات الأزمة التي بدأت في فنزويلا، وامتدت إلى هندوراس الواقعة في أمريكا الوسطى، التي نجح ترامب بحملة دعائية مكثفة، في فرض تغيير في الحكم، وإنجاح مرشحه اليميني في الانتخابات التي أجريت الشهر الماضي، وها هي الأنظار الأمريكية تتجه نحو كل من كوبا ونيكاراغوا أيضاً، حسب ما نشرته صحيفة ديلى تيليغراف البريطانية، بأن كوبا هي «الهدف الحقيقي» لحملة ترامب في فنزويلا. فالرهان الأمريكي يرتكز على قناعة بأن إسقاط حكم الرئيس مادورو، وتشكيل حكومة موالية للولايات المتحدة في كراكاس، سوف يُعجل بفرض التغيير الذي تأمله واشنطن في هافانا، الذي عجزت عن تحقيقه على مدى ستة عقود مضت، وبهذا الخصوص يقول المسؤول السابق في إدارتي بوش وترامب مارشال بيليغسلي إن الهدف النهائي لهجوم الولايات المتحدة هو «يسار أمريكا اللاتينية بأكمله من كوبا إلى البرازيل إلى المكسيك إلى نيكاراغوا».
كيف سترد دول أمريكا اللاتينية، وكيف سيكون الموقفان الصيني والروسي؟
الإجابة سوف تكشف إلى أي حد يمكن أن ينجح الرئيس ترامب في فرض عقيدته، وإلى أي حد يمكن أن تولّد المواجهة الجديدة في أمريكا اللاتينية حرباً باردة جديدة.
الأيام القليلة الماضية كشفت عن وعي لدى قيادة وشعوب دول أمريكا اللاتينية، عبّر عنه الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، بدعوته الرئيس الأمريكي إلى الكف عن اعتبار نفسه «إمبراطور العالم»، كما حذر الرئيس الكولومبي غوستاف بيترو الرئيس الأمريكي بالقول «لا توقظ النمر».
أما الدعم الجماعي اللاتيني لفنزويلا، فقد جاء خلال قمة افتراضية لتحالف «ألبا» اليساري، الذي يضم دول الكاريبي ودول أمريكا اللاتينية. وخلال هذه القمة، دعا الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تحالف «ألبا» إلى مقاومة ما وصفه بـ «التدخل غير القانوني في المنطقة»، مؤكداً أنه: «لن يُكتب لمشروع الاستعمار النجاح.. سنكون أحراراً».
مقدمات مهمة تكشف أن المشروع الأمريكي سوف يفجر غضباً جديداً في مواجهته، قد يقود إلى حرب باردة عالمية جديدة.