آخر الكلام
في مقالٍ قديمٍ لي كتبته بمناسبة العام الجديد قلتُ ما مفاده: لو لم يكن للسنة رأس لكان عليها اختراعه، فهذا «الرأس» يتيح لنا برهة قصيرة لتأمل فصلٍ من حياتنا انقضى، والتفكّر في أمر الفصل المقبل، الذي هو السنة الجديدة التي ولجناها بعد أن قلنا للسنة المنقضية وداعاً، فاللحظة التي نودع فيها عاماً ونستقبل آخر تُذكرنا بأن الزمن لا يُبلى، فهو خارج الحساب الذي يجعل منه شاباً أو كهلاً أو شيخاً، هو يفعل ذلك فينا فيقسم أعمارنا إلى مراحل ومقاطع نختار نحن لها التسميات ولسنواتها الأرقام.. أما هو فغير آبهٍ بها وبالذي يفعله بنا.
بحثتُ في أرشيفي عن هذا المقال الذي مضى عليه أكثر من عقدين على أقل تقدير، فلم أجده، وهب أني وجدته وأعدت قراءته، هل تراني سأرى محتواه مختلفاً عما أنوي قوله اليوم من استعادات لما مضى، وتمنيات بما هو قادم؟ هل ستراني سأضيف جديداً لو كتبت في وداع 2025 واستقبال 2026؟ ولم أحر في الجواب: لا. ليس ثمّة من جديد يُقال، فسنواتنا الأخيرة، من المنظور العربي، ينطبق عليها الوصف القرآني البليغ: سنوات عجاف، أما السنوات السمان المنتظرة ما هي إلا «أضغاث أحلام» حسب التعبير القرآني أيضاً.
في كلّ الأحوال، ها نحن أصبحنا في عامٍ جديد، العام الذي كنا فيه، قبل يوم أو يومين، بات ماضياً لم يكن فيه إلا القليل من بواعث البهجة، في حال وجدت، حين نتحدث عن شأننا العربي العام، أما على مستوى الأفراد، فالأمر يتفاوت بين شخص وآخر، فهنيئاً لمن جلب لهم العام المنقضي نجاحاً، والسلوى لمن عاكسهم الحظ، فلم يظفروا فيه بما يستحق الاحتفاء به، ومع ذلك لا بأس لو تبادلنا لا التهاني وحدها بقدوم العام الجديد، وإنما التمنيات بأن يكون أجمل وأسعد.
على مستوى العالم لا يبدو الأمر مختلفاً. ملخصاً ما طبع العام المنقضي قال تقرير لموقع «دي. دبليو» الألماني: «يودع العالم سنة 2025 التي شهدت حراً وجفافاً وحرائق وهجمات وسرقات ووفيات وباباً جديداً واستمرار حروب واستباب هُدَن ورسوماً جمركية».
أما العام المقبل، فسيشهد، حسب التقرير نفسه، أكبر مباريات لكأس العالم في التاريخ بمشاركة 48 دولة تتنافس في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، كما سيشهد عودة روّاد فضاء إلى القمر، بعد مرور أكثر من 50 عاماً على آخر مهمة قمرية لبرنامج أبولو.
هذا لن يجعل منه أجمل وأفضل بالضرورة من سابقه، ما يجعلنا نفهم ما عناه الشاعر اللبناني نزار فرنسيس: «بطّلت عم انطر سنين جْداد/ ياريت إحظى بشي سنة مستعملة/ من عمر عشنا فيه كنا ولاد».يا ريت.