يحيى زكي
يقدم الأرجنتيني إرنستو ساباتو في كتابه «بشر وتروس» قراءة مغايرة لمفاصل النهضة الأوروبية، تحلل الجانب الآخر لتلك النهضة والذي لا نجده في الكثير من الأعمال التي تؤرخ لها، الأمر الذي يغري المهموم بمسألة النهضة العربية لكي يقوم بقراءات مماثلة.
لم تكتمل النهضة الأوروبية وتؤدي نتائجها إلى العصر الحديث وما تبعه من حداثة وتكنولوجيا تتسارع وتيرتها إلا من خلال حركة الكشوف الجغرافية وما أعقبها من ثورة صناعية نتجت عنها مرحلة الاستعمار، وذلك بعكس النهضة العربية تماماً، فالعرب أدركوا موقعهم في العالم ليس نتيجة لمكتشفين جابوا الكرة الأرضية، ولكن بسبب مدافع نابليون التي نبهتنا إلى عالم يتقدم وفق قوانين أخرى، بينما كنا نعيش في عزلة وتراجع لمدة قرون، أي أن الوضع كان معكوساً في حالتنا، فبينما كانت أوروبا تهيمن على ثروات العالم، كنا نحن نعاني نهب تلك الثروات.
في مفاصل النهضة الأوروبية كذلك محطات لم نمرّ بها، منها الصراع المرير بين الكنيسة ورجال العلم، وهو ما لم نعرفه نحن في ثقافتنا العربية الإسلامية، هذا الصراع نتج عنه تفكير مطول حول مفهوم العقل وحدوده والأخذ بأنظمة حكم تفصل الدين عن الدولة أو ما يعرف في التاريخ الغربي بالدولة العلمانية، ولم يكن السياق نفسه في حالتنا العربية، فالإسلام كان يشجع على العلم، ولم يكن هنا ذلك الصراع بين أي مؤسسة دينية والعلماء. مفصل آخر نلاحظه في التاريخ الأوروبي يتمثل في تلك الطبقات التي نشأت نتيجة لصدامات طاحنة وتحولات عدة، طبقات كانت لها مصلحة في سير الأحداث باتجاه معين، بينما كان التشكيل الطبقي في مختلف بقاع العالم العربي ثابتاً ومستقراً، ولم يشهد ذلك الصراع المتأزم، وكان أيضاً مختلفاً عن نظيره الأوروبي.
ولنحاول أن نتصور الحال في عالمنا العربي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كانت هناك معادلة مربكة لا نزال نعاني آثارها حتى اليوم، وهي كيف نحقق الاستقلال وننهض ونأخذ أفضل ما في نموذج المستعمر ويناسب طبيعتنا وثقافتنا؟ وهو ما نكرره الآن بصيغة مختلفة: كيف نتقدم لنحتل مكاننا المستحق في دول العالم مع الأخذ في الاعتبار بضرورة التعايش مع العولمة بما لا يتعارض مع سماتنا الحضارية؟ وطرحت حول هذه المعادلة صيغ عديدة، ولعل مراجعة ثقافية وفكرية ستؤكد أن النشاط الذهني العربي خلال القرن ونصف الماضي دار حولها.
والخلل الأساسي في فهمنا للنهضة العربية أننا كنا ننظر إلى النهضة الأوروبية كمثال ونموذج ونتوهم أننا نسير على دربها، برغم الاختلاف الواضح بين هنا وهناك، وحتى إذا دارت معركة حول أحد الكتب كنا نعتقد أن نقاشاً مطولاً سيحسم الأمور باتجاه العقلانية، ولم تكن الأمور تجري بهذه البساطة في أوروبا.
وفي النهاية إذا نظرنا بموضوعية إلى مرحلة النهضة العربية، خاصة في النصف الأول من القرن العشرين فلن نجد أكثر من مجموعة من المثقفين قدموا إنتاجاً أدبياً وفكرياً مميزاً، نعتز به لأنه لم يتكرر، ولكنه لم يكن كافياً لصناعة نهضة.