نحب أحياناً أن نردد المثل القائل: لا تحكم على الكتاب من غلافه، لكننا في الحقيقة نفعل ذلك في أوقات كثيرة دون أن نشعر. إن عقولنا تقوم بشكل لا إرادي بإلباس الآخرين هالة من الصفات الإيجابية وفقاً لمظهرهم، وهي صفات قد لا يمتلكونها أصلاً، فنفترض بشكل تلقائي أنهم أذكياء، وأصحاب أمانة، وجديرون بالثقة.
هذا الانحياز النفسي يسمى «تأثير الهالة»، وهو شعور عقلي ونفسي يجعلنا نعمم حكمنا على الناس بناءً على صفة واحدة بارزة. المشكلة ليست في الإعجاب، المشكلة هي أن هذه الهالة تعطل قدرتنا على النقد الموضوعي، فلا نلتفت إلى الأخطاء الكبيرة للمحبوب، ونتصيد الأخطاء الصغيرة للمكروه.
إحدى التجارب الشهيرة التي كشفت عن هذا التحيز قام بها الباحثان ريتشارد نيسبت، وتيموثي ويلسون، في جامعة ميشيغان. قام الباحثان بتقسيم الطلاب إلى مجموعتين وعرضوا عليهم مقطع فيديو لنفس الأستاذ الجامعي، وهو يجيب عن أسئلة الطلاب، لكن مع تغيير بسيط في الأداء، حيث إنه في الفيديو الأول ظهر الأستاذ بمظهر الودود، المحب للطلاب، والمتحمس للمادة. بينما في الفيديو الثاني ظهر الأستاذ نفسه، بالملابس نفسها، ويقول المعلومات نفسها، لكنه تصرف بطريقة باردة ومتعالية وصارمة.
بعد المشاهدة، طُلب من الطلاب تقييم صفات الأستاذ من ناحية مظهره وطريقة كلامه ولهجته. النتائج كانت مضحكة وعجيبة في آن واحد، الطلاب الذين شاهدوا الأستاذ الودود قيموا مظهره بأنه جذاب جداً، ولهجته بأنها ساحرة. أما الطلاب الذين شاهدوا الأستاذ البارد وهو الشخص نفسه تماماً، فقد وصفوا مظهره بأنه منفّر، وقالوا إن لهجته مزعجة ومثيرة للأعصاب. الطريف في الأمر، أنه حين سأل الباحثان الطلاب: هل أثر إعجابكم بشخصيته في تقييمكم لمظهره؟ أنكروا ذلك بشدة وقالوا إن تقييمهم موضوعيٌّ تماماً.
يلخص الباحثان هذه النتيجة في ملخص الورقة العلمية بعبارة دقيقة تشرح كيف يخدعنا العقل: «تشير هذه النتائج إلى أن التقييمات العامة للشخص يمكن أن تؤدي إلى تغيير تقييمات سمات ذلك الشخص، حتى عندما تكون هناك معلومات كافية للسماح بإجراء تقييمات مستقلة لها».
الدرس هنا هو الحذر من الانبهار الأول. في مقابلات العمل أو حتى على الصعيد الشخصي، يجب أن نتذكر أن اللطف لا يعني الكفاءة بالضرورة. والأمر ذاته عندما نرى شخصاً وهو غاضب أو في حالة نفسية غير مريحة هذا لا يعني أنه دائماً غير كفء، حاول دائماً تفكيك الهالة، وانظر لكل صفة على حدة، حتى لا تشتري الكتاب كله فقط لأن غلافه لامع.
[email protected]