تقمّص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصية ناقد سينمائي حين لم يعجبه منح الممثل جورج كلوني وعائلته الجنسية الفرنسية، وقال إن أفلام كلوني قليلة ومتواضعة، وإنه لم يكن نجماً سينمائياً، بل، كان مجرّد رجل عادي يشتكي باستمرار من المنطق السليم في السياسة.
ولكن وفي المقابل، ما هو المنطق السليم في الثقافة والفن، عندما يتحدث الرئيس عن سينمائي عالمي، كل أفلامه «القليلة» كانت مركّزة وانتقائية طُبعت بكاريزما الممثل القويّ الحضور، سواء في السينما أو في الحياة أو الإعلام مع أنه يتكلم في السياسة نادراً جداً، وليس له طموح رئاسي أو استثماري.
دع نقد ترامب المبطن بالسخرية، والذي لا يحمل منطقاً سليماً بحسب لغته، وخذ الأمر برمّته من زاوية ثقافية محورها اللغة.
حصل جورج كلوني على الجنسية الفرنسية من خلال نجوميته وقيمته «وأنشطته التي تسهم في تألق فرنسا» بحسب ما هو مدوّن في القانون المدني الفرنسي الذي بموجبه تمنح الجنسية للأجانب، ولكن هذا التألّق لا يكفي، فلا بدّ من تعلم اللغة الفرنسية والتحدث بها في إطار شروط يحدّدها القانون الفرنسي، وقد استحوذ كلوني وعائلته على هذه الشروط، واستحق بذلك الجنسية.
إذاً، هناك جانب ثقافي في هذه القصة الترامبية الأولى في العام 2026، أما الجوهري والأساسي في هذا الجانب فهو اللغة. ليست اللغة الفرنسية في حدّ ذاتها، بل اللغة بوصفها قيمة تكريمية لمن يجيدها، ومن خلالها يحصل على جنسية أو جائزة أو وسام.
هنا، إذا عدت إلى ترامب كحالة لغوية، فالأرجح أنه لا يعرف لا الفرنسية ولا أيّاً من اللغات الأوروبية الكبرى مثل الروسية أو الألمانية، وفي حقيقة الأمر ليس مطلوباً من الرئيس الأمريكي أن يكون رجل لغات، وفقط، وإنما أن يتحدث بلغة بلاده على نحو دبلوماسي لائق في عالم السياسة، وهو بالطبع، أمريكي يتحدث الإنجليزية، فليس في العالم لغة أمريكية لها أبجدية، وتاريخ، وذاكرة.
شخصياً أحب قصص الرئيس الأمريكي، ومفاجآته، وتلقائيته، وهو يستخدم كثيراً ثلاث صفات تكاد تكون متلازمة: رائع، وجميل، وقوي، لكن هذه المرة، لم يكن جورج كلوني رائعاً ولا جميلاً ولا قوياً، تماماً مثل زميله المخرج الأمريكي جيم جارمش الذي أبدى رغبته هو الآخر في الحصول على الجنسية الفرنسية وقال: «أريد أن يكون لي مكان أبتعد فيه عن الولايات المتحدة».
آرنست همنغواي فعلها قبل أكثر من خمسين عاماً، ابتعد عن أمريكا، وعاش أجمل أيام حياته في باريس ولم يبق فيها مطعم إلّا وأكل فيه بشهية ملاكم.
[email protected]