د. باسمة يونس
أن يبدأ الإنسان عامه الجديد بخطة ثقافية، فهذا يعني أنه اختار أن يعيش بمستوى أعلى من الوعي، وأن يتعلم كيف ينصت أكثر ويكون على استعداد دائم لمراجعة الذات وأقل قابلية للتلاعب بأفكاره، وأكثر قدرة على الفهم والتبصر لا الحكم السريع.
ولا يقف الإنسان في بداية كل عام عند عتبة زمنية تفصل بين رقمين في التقويم، بل يقف أمام سؤال أعمق من ذلك بكثير عما سيفعله خلال العام وماذا يريد أن يصبح، فالزمن لا يتغير في ذاته، بل نحن من يعاد تشكيلنا داخله إن كانت لدينا القدرة على ذلك، ونحن من نسمح له أن يمرَّ بنا كما تمرُّ الريح فوق سطحٍ ساكن إن بقينا صامتين.
وهكذا، تصبح بداية العام الجديد فرصة وجودية نادرة، قد يغتنمها بعضهم لتكديس الأمنيات بينما يسعى آخرون لصياغة خطة تعيد ترتيب علاقته بالحياة وبالنفس وبالمعرفة وبالعالم.
وكثير منا يصنعون لأنفسهم خطة ثقافية، ولا أعني بها قائمة كتب تقرأ على عجل، بل اختيار واعٍ لأن نكون فاعلين وجادين في تنمية فكرنا.
والكتاب ليس مجرد مادة ننتهي من قراءتها، بل كائنٌ فكري نُصغِي إليه، نختلف معه، وربما نغضب منه، ثم نعود إليه وقد تغيرنا. وقراءة واحدة بطيئة قد تكون أصدق أثراً من عشرات القراءات التي لا تترك في النفس سوى أثر العابر. والخطة الثقافية، حين تفهم على حقيقتها، لا تكون جدولاً ميكانيكياً للقراءة ولا قائمة أسماء نمرُّ عليها لإرضاء وَهم الإنجاز، بل هي اختيار أخلاقي وفكري لأن يكون الإنسان شريكاً في تشكل وعيه، لا مجرد مستهلك لما يقدم له، فالثقافة ليست تكديساً للمعرفة، بل تمرين مستمر على السؤال.
ولا بد أن نبدأ بسؤال بسيط عما ينقصنا فكرياً لنحوّل الخطة من فعل تقليد إلى فعل تشخيص، ومن استهلاك ثقافي إلى مسار نمو شخصي كأن تصبح القراءة حواراً بطيئاً في كتاب أو كتابين يستحقان القراءة بدلاً من عشرات لا تشبع ولا تغني من جوع، لتصبح ذات أثر وتعيد بناء ثقافتنا وتفكيرنا على أسس أكثر متانة.
ولا تكتمل الخطة الثقافية دون الكتابة، فالكتابة ليست إنتاجاً لغوياً بقدر ما هي مواجهة مع الذات، وحين نستخرج أفكارنا وننقلها على الورق فنحن نكتشف بذلك ما نفهمه حقاً، وما كنا نعتقد أننا نفهمه فقط.
وفي النهاية، لا تُقاس الخطة الثقافية بنهاية العام، ولا بعدد ما قرأنا أو ما حضرنا من فعاليات، بل بمدى التغير الذي طرأ على طريقة تفكيرنا، وعلى عمق الأسئلة التي نطرحها، وعلى أن نكون أكثر إنسانية.