الرحلة من الميلاد للرقاد رحلة واحدة كلية، تحوي رحلات متعددة جزئية، منها رحلة النمو في مراحل عمرية متصلة، ومنها رحلة التعلم، ورحلة التفكر والتدبر، ورحلة العمل، ورحلة الأسرة، ورحلة المسؤولية، ورحلة الصحة والمرض، إلى آخر التفاصيل التي قد تختلف بين البشر، بحكم عوامل بلا حصر، مثلما هو اختلاف بصمة الأصابع وبصمة العين!
والمعروف أن للرحلة الكلية هذه مقدمةً تسبقها، قبل الميلاد، وبعد الرقاد مرحلة تليها، ولطالما يقودني التأمل لهاتين المرحلتين إلى أن المقدمة قبل الميلاد كان البشر في الرحم، حيث غلاف الظلمة والرطوبة، ظلمة عميقة ورطوبة محيطة يظل الكائن فيهما إلى أن ينضج ويضج، فيسعى للخروج من ذلك الغلاف، وتساعده الأم وهي تصرخ من ألم المخاض وربما من وجع الفراق، وهو يصرخ صرخة الفرحة بالغلاف الجديد، غلاف الضوء والهواء، الذي ينتقل فيه من مرحلة إلى مرحلة، منذ الميلاد إلى أن ينضج ويضج؛ فيسعى لمغادرة غلاف الضوء والهواء إلى غلاف آخر هو غلاف النور اللانهائي؛ حيث يختلف الضوء عن النور، فالأول لابد أن يصدر عن مصدر حراري «ضوء الشمس»، والثاني ليس مرتبطاً بالحرارة «نور القمر»، وفي ذلك التأمل تفاصيل تدرك بالذائقة الإيمانية بأكثر مما تعقل بالقدرة العقلية.
من رحلاتي كانت رحلة العمل في الصحافة والاشتغال بالكتابة؛ إذ كتبت ونُشِرَ ما أكتب في مجلتي «الطليعة» و«الكاتب»، اللتين كانتا تصدران في مصر زمن الستينات من القرن العشرين، بعض مقالات يسيرة، إلى أن انتظمت في الكتابة اليومية بـ«الخليج» في الفترة من صدور عددها الأول من إصدارها الثاني في إبريل 1980، وبقيت أكتب إلى 1994.
ثم كان فاصل استمر نحو ثلاثين سنة وسنة، ولذلك قد يحق أن أقول إنه عود على بدء، وتلك قصة أو رحلة بدأت في أغسطس 1979؛ إذ وجد الطريد الشريد، الذي فقد عمله بالجامعة، وفقد حريته بالاعتقال، وفقد رزقه بالحصار؛ يداً حانية كريمة تربت على كيانه كله، وتمنحه الطمأنينة والأمل، صاحبها هو الرجل الذي استقبلني في بيته بضاحية هامستيد اللندنية، وسأل عن الحال الذي تبين أنه كان يعرف تفاصيله، ثم، وبغير استطراد، حدد المآل:
«سيأتيك في مقر إقامتك بالمدينة الجامعية لكلية إمبريال كوليدج الدكتور جمعة بلال، وسيأخذك للقنصلية، وستقابل القنصل سيف العتيبة لتحصل على تأشيرة للإمارات، ثم ستذهب إلى بنك الاعتماد والتجارة لتقابل محمود ريحان الذي سيسلمك بطاقة سفر بالطائرة إلى الشارقة، وعندما تصل الشارقة اسأل في المطار عن سلطان»، ثم ضحك ضحكة هادئة.
وفي المطار لم تطل الحيرة؛ إذ وجدت من يستقبلني ويوصلني للفندق، وفي المساء جاء سلطان السويدي وحملني في سيارته إلى دار صاحب اليد الحانية الكريمة، سموّ الشيخ سلطان بن محمد، وكان جالساً معه تريم عمران رحمة الله عليه.

[email protected]