رضا السميحيين
الشارقة مدينة لا تشبه مدناً أخرى. هنا، تتلاقى الأصالة بالحداثة، وتجد منظومة ثقافية فريدة قد لا تدرك عمقها إلا إذا اقتربت ومشيت في شوارعها، واستنشقت هواءها الممزوج بتاريخ صنعه الأجداد، وحاضر تزينه ألوان الفن وحراك الفكر الإنساني. هذه المدينة تحمل لك قصة عن عبور أجيال على ثراها، من أيام السفن الخشبية التي كانت تغادر الميناء محملة بالبضائع، إلى هذه الأيام التي نعيش خلالها وفرة في افتتاح المعارض الثقافية والفنية التي تستقطب أنظار العالم.
الشارقة اليوم قبلة للثقافة والفنون في العالم العربي، يتجدد المشهد الثقافي فيها سنوياً، مع تنوع فعالياتها بين مهرجانات الشعر العربي التي تحيي روح الكلمة، والأمسيات المسرحية التي تنقل الجمهور إلى عوالم مغايرة، ومعارض الفن التشكيلي التي تعرض رؤى مبدعين من الشرق والغرب، إضافة إلى عروض موسيقية تمزج بين المقامات الشرقية والنغم الغربي، في حوار إبداعي يسحر الألباب ليشكل فسيفساء ثقافية متحركة، تؤكد أن الشارقة تصنع ذاكرة ثقافية تتجاوز حدود الزمن.
ما يميز الشارقة اليوم هو قدرة مشهدها الثقافي على مخاطبة أذواق مختلفة، يمكنك حضور عرض لمسرحية تراثية بلغة عربية فصيحة، وفي مساء اليوم ذاته تجد نفسك في معرض فني معاصر، يدعوك للتأمل في قضايا الإنسان المعاصرة، وهذا التنوع هو نتاج رؤية ثقافية صاغها مشروع متكامل بدأ قبل عقود، حين قررت الإمارة أن تجعل الثقافة محوراً للتنمية الإنسانية، وأن تكون ملتقى للفن العربي والعالمي، دون أن تفقد هويتها.
وتدرك أثر هذا المشروع القافي، عندما تجد نفسك بين صفوف جمهور يتابع بشغف نصاً مسرحياً أو يستمع لمحاضرة فكرية، أو أمسية شعرية، وكأن هذه المدينة تمنحنا فرصة نادرة للهروب المؤقت من صخب الحياة، هذه اللحظة تحديداً تجعلك تدرك الجوهر الحقيقي للفعل الثقافي، لأنها تصنع لقاء إنسانياً مع الذات، يتجاوز «صرعة» التقنيات والشاشات التي فرضت على تقاليد حياتنا اليومية.
الشارقة اليوم تعيد صياغة روح الثقافة العربية الأصيلة بلمسة معاصرة، لتقدم لنا فسحة لا متناهية للإبداع والتجدد، تفرد لك المدينة صفحاتها لتغوص في قلب التجربة، فتأخذك في رحلة ساحرة تجمع بين الذاكرة والحلم، وتربط الماضي بالمستقبل بخيوط من الضوء واللون، تنقلك بين تفاصيلها العتيقة التي تحمل عبق البحر وأغاني الموانئ، إلى جدرانها الحديثة التي تتزين بظلال الفن وأطيافه، لتنسج مزيجاً فريداً يحفظ الإرث ويحتفي بالابتكار والجمال.
الشارقة رحلة ثقافية تكتب بأسلوبها الخاص، وكل من عرفها يدرك أنها مدينة تسكن الذاكرة، وهي مدينة تحبك كما تحبها أنت، تمنح من يعيشها إحساس الانتماء العميق، لتطل معها على العالم من نافذة مليئة بالضوء، بابتسامة ثقافة لا تعرف حدوداً ولا تتوقف عن الإبداع.
[email protected]
أفق
الشارقة روح وألوان الثقافة
4 يناير 2026 00:50 صباحًا
|
آخر تحديث:
4 يناير 00:50 2026
شارك